كتب: مصطفى فرغلي
صوتٌ عتيق، غريب في حضوره، مألوف في وجدان الملايين، ينثر في حقول الصدور بذور الآخرة، كأنه مسافر من أثقال التراب إلى معارج الملائكة، نبع خشوعٍ وتجَلٍّ، ينطبق عليه القول: «مالئ الدنيا وشاغل الناس»، مُحير العقول والقلوب، ففاق بروحانيته حدود الروحانيات، وبخشوعه حدود الخشوع، وبأدائه حدود التجلي… إنه الشيخ الباكي محمد صديق المنشاوي.
اختلفوا حول أسباب وفاته، لكنهم اتفقوا جميعًا على جمال صوته، وحلاوته، وعذوبته، ورُقي أدائه، وتباينت الآراء حول مواقف خاصة في حياته، غير أنهم أجمعوا على إمامته العظمى في دولة التلاوة.
بداية الرحلة مع القرآن
بدأت رحلة الشيخ المنشاوي مع التلاوة منذ نعومة أظفاره، حين كان يتجول مع والده وعمه بين السهرات القرآنية، وفي عام 1952، أُتيحت له الفرصة ليقرأ منفردًا في إحدى ليالي محافظة سوهاج، لتبدأ بعدها شهرته في الانتشار، ويتردد اسمه في الأرجاء قارئًا استثنائيًا.
التتويج على عرش التلاوة
لم يكن المنشاوي مجرد صاحب صوت جميل، بل كان نشيدًا صوتيًا بطبعه، وهندسة سمعية بالوراثة، وعلمًا مكتسبًا بالاجتهاد. قراءة خالية من نفاق الشهرة، مليئة بالأمانة والخشوع. حفيظٌ عليم، وهبه الله من عطائه، ومنح صوته جمالًا خاصًا، فكان – بحق – المتوج على عرش التلاوة، والمتربع في وجدان الأمة إلى يوم القيامة.
ولد الشيخ محمد صديق المنشاوي عام 1920، ورحل عن عالمنا عام 1969، لكن صوته لم يرحل، بل بقي شاهدًا على زمن التلاوة الذهبية.
بصمة لا تتكرر
للمنشاوي بصمة فريدة في التلاوة؛ صوت خاشع يكتسي بمسحة حزن شفيفة، جعلته يُلقب بـ «الصوت الباكي»، وهو لقب لم يكن مبالغة، بل توصيفًا دقيقًا لحالة وجدانية يعيشها القارئ والمستمع معًا.
النشأة والميلاد
هو محمد بن صديق بن سيد بن ثابت المنشاوي، وُلد بمركز المنشأة بمحافظة سوهاج عام 1920. حفظ القرآن الكريم كاملًا في سن الثامنة، ونشأ في أسرة قرآنية عريقة؛ فوالده الشيخ صديق المنشاوي، وشقيقه الشيخ محمود صديق المنشاوي.
حياته الأسرية
تزوج الشيخ المنشاوي مرتين؛ أنجب من الزوجة الأولى أربعة أبناء وبنتين، ومن الزوجة الثانية خمسة أبناء وأربع بنات. وقد توفيت زوجته الثانية أثناء أدائها لمناسك الحج، ليلحق بها بعد عام واحد فقط، عام 1969، إثر إصابته بمرض دوالي المريء، الذي لم يمنعه من مواصلة تلاوة القرآن حتى آخر أيامه.
المسيرة العملية
تلقى الشيخ علوم القراءة على يد والده، ثم انتقل إلى القاهرة لدراسة علوم التجويد وأحكام التلاوة. بدأ عمله قارئًا في أحد مساجد حي الزمالك، ثم التحق بالإذاعة المصرية، حيث لمع اسمه وانتشر صيته بصوته الخاشع المؤثر.
وجاب الشيخ المنشاوي العديد من الدول الإسلامية، وحصل على وسام رفيع من إندونيسيا عام 1955، كما استُضيف في سوريا والأردن والجزائر والكويت وليبيا والعراق والسودان والسعودية. وبلغت تسجيلاته في الإذاعات الإسلامية أكثر من 150 تسجيلًا صوتيًا.
مميزات تلاوته
تميّز الشيخ محمد صديق المنشاوي بإحساسٍ عميق بكلام الله عز وجل، ولم تكن تلاوته مجرد أداء صوتي، بل مدرسة متكاملة في:
- التفسير والتربية الإيمانية
- شرح الوقف والابتداء
- علوم التجويد والقراءات
- كان يصور المعاني القرآنية حتى تتحول إلى مشاهد حيّة في ذهن المستمع، وتصل تلاوته مباشرة إلى القلب، فتُلين القلوب قبل الآذان.
ولعل من أبرز سماته أنه لا توجد تلاوتان متطابقتان له؛ فكل قراءة كانت حالة شعورية خاصة.
لماذا لُقّب بالشيخ الباكي؟
لُقّب المنشاوي بـ «القارئ الباكي» لأنه لم يكن يقرأ بصوته فقط، بل بقلبه، حيث أتقن المقامات، وتأثر بالمعاني، فكان المستمع يشعر أن الآيات تُخاطبه مباشرة، وتدمع عيناه دون استئذان، وكأن الشيخ يهمس بالقرآن إلى القلوب همسًا.







