هناك مجتمعات تُرهقها الأزمات، وهناك مجتمعات تعيد الأزمات تشكيلها بالكامل
والمشكلة في مصر لم تعد مجرد غلاء أو ضغوط معيشية يمكن احتمالها لبعض الوقت، لأن ما يحدث منذ سنوات تجاوز فكرة الأزمة الاقتصادية إلى ما هو أعمق بكثير، وهو حالة استنزاف ممتدة تُغيّر المجتمع نفسه، وتعيد تشكيل العلاقات بين الناس وطريقة تفكيرهم وقدرتهم على الاحتمال.
لم يعد أحد تقريبًا يشعر بالراحة
الحكومة تتحدث طوال الوقت عن التحديات والأعباء، ورجال الأعمال يشكون من السوق والتكاليف، وأصحاب المحال يشتكون من الركود والغلاء، والموظف يشكو من ضعف الدخل، ورب الأسرة يشعر أنه يطارد احتياجات لا تنتهي، بينما يعيش الأبناء أنفسهم تحت ضغط الدراسة والخوف من المستقبل. كأن المجتمع كله دخل في حالة استنزاف مستمر، يحاول فيها كل طرف أن يخفف ما فوقه بإلقاء جزء منه على من تحته.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه الأعباء وحدها، بل في الطريقة التي تُدار بها
فما جرى خلال العقود الأخيرة لم يكن مجرد تحولات اقتصادية عادية، بل انتقال تدريجي إلى نموذج أكثر قسوة، تراجعت فيه الدولة اجتماعيًا أمام منطق السوق، وتُرك المجتمع يواجه وحده أعباء التعليم والعلاج والسكن والحياة، على أساس أن الناس قادرة دائمًا على التأقلم وتحمل المزيد.
ومع الوقت، لم تعد الأزمات مجرد نتائج جانبية لهذا النموذج، بل أصبحت جزءًا من طريقته في العمل. فكل أزمة اقتصادية تُنقل كلفتها تدريجيًا إلى المجتمع، ثم يبدأ المجتمع نفسه في إعادة توزيع هذه الكلفة داخله. صاحب العمل يضغط على الموظف لأنه هو نفسه تحت ضغط السوق، والتاجر يحاول حماية نفسه بنقل كلفة خوفه إلى المستهلك، والموظف يعود بإنهاكه إلى بيته، والأسرة نفسها تتحول بالتدريج إلى مساحة إضافية للتوتر، لأن الجميع يعيش الإحساس نفسه، وهو أن لا أحد يملك الأمان الكافي، ولا أحد يشعر أن الغد مضمون.
وهنا تظهر أخطر نتائج هذا المسار، فالمجتمعات لا تتفكك فقط بسبب الفقر، بل حين تتحول الحياة كلها إلى سباق دائم من أجل النجاة الفردية. فالإنسان الذي يعيش طويلًا تحت الاستنزاف لا يفقد أمواله فقط، بل يفقد بالتدريج قدرته على الصبر والاحتواء والثقة بالآخرين.
ومع الوقت تتغير العلاقات نفسها، وتتراجع فكرة التكافل لصالح فكرة النجاة، ويصبح كل طرف مشغولًا بحماية نفسه حتى لو كان الثمن نقل العبء إلى غيره.
ولهذا لم يعد غريبًا أن يصبح التوتر هو اللغة اليومية للناس، وأن تتحول أبسط المواقف إلى مشاحنات وغضب وعنف لفظي ونفسي، لأن المجتمع المرهق لا ينتج هدوءًا، بل ينتج أفرادًا يعيشون طوال الوقت على حافة أعصابهم.
والأخطر أن هذا النوع من الاستنزاف لا يُنتج استقرارًا حقيقيًا حتى لو بدا المشهد هادئًا في ظاهره. فالمجتمع الذي يفقد تدريجيًا ثقته وطمأنينته وتماسكه لا يصبح أكثر استقرارًا، بل أكثر هشاشة، لأن الأعباء التي لا تجد مسارات طبيعية للتعبير والتنظيم والمشاركة تتحول مع الوقت إلى غضب صامت، أو إلى انسحاب جماعي من الإحساس بالمجتمع نفسه.
وما يزيد خطورة هذا الوضع أن المجال العام نفسه أصبح أضعف من أن يقوم بدوره الطبيعي في امتصاص هذه الضغوط أو تنظيمها. فالأحزاب ضعيفة، والنقابات تراجعت، والمساحات التي كانت تمنح الناس شعورًا بالشراكة أو القدرة على التأثير أصبحت محدودة، فبقي المواطن وحده تقريبًا في مواجهة مجتمع يزداد قسوة واستنزافًا كل يوم.
المشكلة إذًا لم تعد فقط في ارتفاع الأسعار أو صعوبة المعيشة، بل في الثمن الإنساني والاجتماعي الذي يدفعه المجتمع كله تحت وطأة نموذج اقتصادي واجتماعي قائم على تحميل الناس كلفة الأزمات بصورة مستمرة، بينما تتراجع تدريجيًا فكرة الحماية والتوازن والدور الاجتماعي للدولة.
ولهذا فإن إعادة التفكير لم تعد رفاهية، لأن استمرار إدارة المجتمع بالمنطق نفسه الذي جرى تكريسه لعقود لن يؤدي فقط إلى مزيد من الأعباء الاقتصادية، بل إلى مزيد من التآكل البطيء في الشخصية المصرية نفسها، وفي قدرة الناس على التماسك والتعايش والشعور بأنهم مجتمع واحد.
فالمجتمعات لا تسقط فقط حين تضعف اقتصاديًا، بل حين تفقد تدريجيًا قدرتها على التماسك، ويصبح كل فرد فيها مشغولًا بالنجاة بنفسه أكثر من اهتمامه ببقاء المجتمع.







