كتب: مصطفى فرغلي
مع كل فجر جديد، تستفيق الحكومات وتفاجأ الشعوب بظهور نوع جديد من السموم القاتلة التي تُعرف بـ«المخدرات»، سموم بيضاء وأخرى خضراء، لا تفرق بين دولة غنية أو فقيرة، ولا بين شاب وفتاة، ولا بين كبير وصغير، وباتت تُشبه أسلحة الدمار الشامل، بل تفوقها خطورة، لأنها تضرب المجتمعات من الداخل، وتفتك بالإنسان قبل العمران.
لم يعد مدمن المخدرات كما كان في الماضي، لا يعرف سوى الحشيش أو البانجو، بل أصبح المشهد أكثر تعقيداً وخطورة، مع ظهور أنواع متعددة وأسماء مختلفة، مثل: الاستروكس، الهيدرو، الميدرابيد، الفلاكا، وأخيرًا ما يُعرف بـ«الزومبي» أو مخدر الفنتانيل، الذي بات عنواناً لمرحلة جديدة من الإدمان القاتل.
المخدرات… وباء عالمي بلا حدود
تعاني كبرى دول العالم من تفشي المخدرات بين مواطنيها، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تواجه أزمة غير مسبوقة بسبب انتشار مخدر الفنتانيل، ما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى توقيع أمر تنفيذي بتصنيفه كـ«سلاح دمار شامل».
واعتبر ترامب أن إغراق بلاده بالفنتانيل يمثل «تهديداً عسكرياً»، مؤكدًا أن ما بين 200 و300 ألف شخص يفقدون حياتهم سنوياً بسبب هذا المخدر، وفق التقديرات المتاحة.
ومنذ عام 2001 وحتى وقت قريب، فقدت الولايات المتحدة أكثر من مليون شخص نتيجة الجرعات الزائدة من المخدرات، بينها نحو 450 ألف حالة خلال العقد الأخير بسبب الفنتانيل ومشتقاته الصناعية، كما بلغ عدد المصابين باضطراب استخدام المواد الأفيونية نحو 5.7 مليون شخص عام 2023، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف المعدلات السابقة.
المخدرات… حروب صامتة بين الدول الكبرى
في السنوات الأخيرة، تغيرت طبيعة الحروب بين الدول الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة والصين والمكسيك وكندا وبعض الدول الأوروبية، ولم تعد الصواريخ ولا المعدات العسكرية هي السلاح الأساسي، بل ظهرت حروب صامتة بأدوات مختلفة، سلاحها السموم البيضاء والخضراء، فالأولى تقتل بسرعة، والثانية تنخر في العقول ببطء.
وقد تنتهي الحروب السياسية بتسويات واتفاقات، لكن حرب المخدرات قد تستمر لعقود، لأنها تضرب النسيج الاجتماعي من الداخل، وتستهدف الشباب في البيوت والمدارس والأسواق، دون أن تعرف حدودًا أو تفرق بين مدني وعسكري، أو غني وفقير.
الفنتانيل… السم القاتل
تصدر مخدر الفنتانيل قائمة أخطر مسكنات الجهاز العصبي في العالم، وهو مادة أفيونية صناعية قوية، تُستخدم طبيًا لتسكين الآلام الشديدة والتخدير، لكنه أقوى من المورفين بنحو 100 مرة، وأقوى من الهيروين بنحو 50 مرة.
وتشير التقديرات إلى أن الفنتانيل تسبب في وفاة نحو 100 ألف شخص خلال عام واحد فقط بسبب الجرعات الزائدة، ويتوافر دوائياً بوصفة طبية، إلا أنه يُنتج أيضاً بطرق غير مشروعة ويُباع في أسواق المخدرات، وغالباً ممزوجاً بمواد أخرى مثل الهيروين والكوكايين والميثامفيتامين، أو في صورة أقراص مزيفة تشبه أدوية مسكنة شهيرة مثل «الأوكسيكودون».
ويعمل الفنتانيل من خلال الارتباط بمستقبلات المواد الأفيونية في الدماغ، ما يقلل الإحساس بالألم ويؤثر في تنظيم العواطف، قبل أن ينشط مستقبلات الدوبامين، مسببًا شعورًا زائفًا بالسعادة والنشوة، ينتهي سريعًا بالإدمان.
استخداماته الطبية
يُستخدم الفنتانيل طبياً في تسكين الألم قبل العمليات الجراحية، وعلاج الآلام المتوسطة إلى الشديدة بعدها، كما يُستعمل في حالات السرطان وأمراض الكلى، والحالات التي يعجز المورفين عن علاجها، كما يُستخدم كمساعد للتخدير الموضعي والعام، وأحيانًا مع أدوية الصرع لتخفيف الألم العصبي، ويتوافر في صور متعددة، منها: الحقن، والأقراص، واللصقات الجلدية.
أضرار قاتلة بلا رحمة
يتسبب تعاطي مخدر الفنتانيل في أضرار جسيمة، أبرزها: الاكتئاب الحاد الذي قد يقود إلى الانتحار، توقف القلب، نعاس شديد، هلاوس سمعية وبصرية، توقف التنفس، صعوبة التبول، فضلاً عن الجرعات الزائدة التي تؤدي إلى الغيبوبة ثم الوفاة.
ويُعد الفنتانيل مسؤولاً عن آلاف حالات الوفاة سنوياً، نتيجة رفع نسب السموم في الجسم بصورة قاتلة، لا تمنح الضحية فرصة للنجاة.
الفنتانيل واستنزاف الاقتصاد
لم تتوقف خطورة الفنتانيل عند الأرواح فقط، بل امتدت إلى الاقتصاد، فقد بلغت التكلفة الاقتصادية لأزمة الفنتانيل في الولايات المتحدة نحو 2.7 تريليون دولار عام 2023، وفق تقديرات البيت الأبيض، أي ما يعادل 9.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتشمل هذه الخسائر نحو 1.1 تريليون دولار بسبب الوفيات المبكرة، و1.34 تريليون دولار نتيجة تدهور جودة الحياة لملايين المدمنين، إضافة إلى 277 مليار دولار كنفقات مباشرة على الرعاية الصحية وإنفاذ القانون والسجون.
الوضع في مصر… مختلف
وفي هذا السياق، قال المستشار أيمن محفوظ، في تصريح خاص، إن هناك العديد من المواد المخدرة يصعب وصولها إلى الدول العربية، وعلى رأسها مصر، التي تقف بالمرصاد لتجار المخدرات وكل من تسول له نفسه المساس بالأمن القومي.
وأوضح محفوظ أن من أهم أسباب صعوبة دخول هذه المواد إلى مصر، بُعد المسافات بينها وبين الدول المصنعة، إلى جانب الرقابة الصارمة والتفتيش الأمني المشدد في المطارات والموانئ المصرية على جميع الواردات.
وأضاف أن جهاز الشرطة المصرية، وخاصة الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، يمتلك أحدث الأجهزة لكشف هذه السموم، فضلًا عن كوادر أمنية تعمل على مدار الساعة بالتعاون مع قوات حرس الحدود.
وأشار إلى أن تصنيع مواد مثل الفنتانيل يتطلب معامل وأجهزة متخصصة يصعب توفيرها محليًا، مؤكدًا أن الوضع في الأمريكتين والدول الأوروبية مختلف تمامًا، نظرًا لاتساع الحدود وتقارب الدول، وسهولة التهريب بين المكسيك والولايات المتحدة وكندا، فضلًا عن نشاط عصابات منظمة عابرة للحدود يصعب السيطرة عليها.
الفنتانيل ليس مجرد مخدر، بل سلاح خفي يهدد البشرية، وحرب صامتة تستنزف الأرواح والاقتصادات، وبينما تتصاعد المواجهة عالمياً، تبقى اليقظة والوعي والتعاون الأمني والمجتمعي هي خط الدفاع الأول في مواجهة هذا الخطر الداهم.







