رغم أنني ما زلت في فترة النقاهة بعد عملية جراحية عاجلة منعتني من المشاركة أو التفاعل المباشر في الاستحقاق الانتخابي، إلا أنني تابعت المشهد عن قرب، ووجدت أن انتخابات مجلس النواب 2025 بمحافظة سوهاج كانت واحدة من أقوى وأشرس المعارك الانتخابية في تاريخ المحافظة.
تضم سوهاج عدة دوائر انتخابية، ولكل منها طابعها الخاص، لكن من أبرز النماذج التي شدت الانتباه في المرحلة الأولى كانت دائرتا المراغة ودار السلام، لما شهِدتاه من تنافس حاد وصراع قوي بين مرشحين يمتلكون رصيدًا اجتماعيًا واقتصاديًا وعائليًا ضخمًا.
قراءة في المشهد العام
المرحلة الأولى من انتخابات 2025 في سوهاج كانت حافلة بالإثارة والمفاجآت والاتهامات المتبادلة بعد ظهور مؤشرات الفرز الأولية.
تحدث البعض عن تزوير مادي عبر المال السياسي، وآخرون عن تزوير معنوي عبر الحملات الدعائية الضخمة.
لكن الحقيقة أن كل مرشح استخدم ما يملكه من أدوات وإمكانيات: فمن كان يمتلك المال استخدمه، ومن كانت له عائلة كبيرة اعتمد عليها، ومن كان صاحب نفوذ فعّله، ومن يجيد السوشيال ميديا سخّرها لصالحه.
ولذلك لا يصح أن نُصور أحدًا في دور “الضحية”، فالجميع قاتل بما لديه من مقومات للوصول إلى المرحلة الثانية.
المال الانتخابي والممارسات الدعائية
الحديث عن المال السياسي أصبح يُطرح وكأنه ظاهرة طارئة، بينما هو جزء من واقع العمل الانتخابي منذ قرون.
فكما أن هناك من يتوسط لتعيين أو يسعى لمنفعة، فذلك أيضًا شكل من أشكال المحسوبية، لا يختلف كثيرًا عن استخدام
المال في الدعاية
والحقيقة أن القدرة المالية هي أحد مقومات أي مرشح؛ من يمتلكها سيستخدمها — كما يفعل غيره ممن يمتلك نفوذاً أو قاعدة عائلية أو إعلامية.
وأنا شخصيًا أرفض هذه الأساليب وأعتبرها تشوّه العدالة الانتخابية، لكن الواقعية تفرض علينا أن نعترف أن من يملك وسيلة سيستخدمها، وأن الخطأ ليس في وجود المال، بل في سوء استخدامه أو تجاوزه للحدود القانونية.
وفي المقابل، نجد أن البعض أنفق ملايين الجنيهات على مؤتمرات انتخابية ضخمة تُقام بعيدًا عن دواوين العائلات، لا لتقديم برنامج أو حوار، بل لاستعراض القوة وإظهار الثقل، وهو ما يجعل تلك المؤتمرات أقرب إلى العروض الاستعراضية منها إلى التواصل
الحقيقي مع الناخبين
بينما اختار آخرون الاكتفاء بالعمل الميداني المباشر وتوجيه ما يملكونه من موارد إلى التواصل مع المواطنين في دوائرهم، معتبرين أن هذا أكثر تأثيرًا من لافتة أو مؤتمر صاخب.
وبذلك فإن الإنفاق المبالغ فيه على الحملات والمؤتمرات لا يختلف كثيرًا عن دفع الأموال بشكل مباشر، فكلاهما يسعى إلى التأثير على القرار الانتخابي بطرق غير عادلة.
دائرة المراغة.. سخونة المنافسة وهدوء الكبار
تُعد دائرة المراغة من أكثر الدوائر سخونة في محافظة سوهاج، فقد شهدت تنافس عشرة مرشحين أقوياء، استمرت بينهم المنافسة حتى آخر لحظة في الفرز.
وفي النهاية، أظهرت مؤشرات الحصر العددي تصعيد الشاب مصطفى مزيرق والعمدة هاشم إلى جولة الإعادة، في مشهد يجمع بين حيوية الشباب وخبرة الرموز التقليدية.
ورغم سخونة الأجواء، تميّز الاثنان بـالهدوء وعفة اللسان، فلم تصدر عنهما إساءات أو تجاوزات، وهي سمة تُحسب لهما في وقتٍ تصاعد فيه التوتر والانفعال لدى كثير من المرشحين الآخرين.
ورغم أن إمكانيات مصطفى مزيرق المادية كبيرة ومؤثرة، فإن حملته واجهت ممارسات غير منضبطة واستفزازات متعددة، منها ما يمكن وصفه بأنه غير أخلاقي، استهدفت تشتيته وإخراجه عن تركيزه، إلا أنه قابلها بثبات انفعالي نادر، وإصرار على تنفيذ خطته الانتخابية دون انجرار أو رد فعل غاضب.
بل إن تلك الممارسات أثارت تعاطف الشارع معه، فحوّلت الضغط إلى دفعة دعم جديدة، ليكسب الرهان ويواصل طريقه بثقة رغم
العواصف
أما العمدة هاشم، فهو رمز اجتماعي له ثقله، يجيد التحدث بهدوء ويملك قدرة على استيعاب الجميع.
وبين هدوء العمدة وحماس مصطفى، نشهد منافسة شريفة تجمع جيلين يقدمان نموذجًا راقيًا في العمل السياسي.
ومن جهة أخرى، فإن معظم المرشحين الذين لم يتأهلوا لجولة الإعادة قدموا أداءً محترمًا، وأظهروا وعيًا سياسيًا كبيرًا بتهنئة الفائزين أو التزام الصمت الهادئ بعد النتائج.

وأدعو في هذا السياق جميع المرشحين في دائرة المراغة إلى فتح مقراتهم الانتخابية كمجالس حوار عامة تستقبل زملاءهم من مرشحي الإعادة، تعزيزًا لفكرة الحوار الديمقراطي والتعاون من أجل المصلحة العامة.
دار السلام.. الشباب يقتحمون الساحة
وفي دائرة دار السلام، برز الشابان عبد اللطيف الشيخ ومحمد خلف كنموذجين مشرفين للجيل الجديد في مواجهة القواعد التقليدية.
استطاع عبد اللطيف الشيخ أن يواصل عمله الميداني منذ انتخابات مجلس الشيوخ قبل خمس سنوات، ليؤكد أن السياسة ليست سباقًا مؤقتًا بل مسار طويل من العمل والتواصل.
أما محمد خلف فقد أدار حملته بذكاء وهدوء، مع التزام ملحوظ بالقيم والضوابط، ما أكسبه احترام مؤيديه وخصومه على حد سواء.
ورغم قوة المنافسة، فإن صعودهما إلى جولة الإعادة جاء بفضل تنظيم دقيق وتحرك مدروس، مما يعكس أن العمل الجماعي والتخطيط أهم من العشوائية والإنفاق المفرط.-
كشفت انتخابات مجلس النواب 2025 في سوهاج عن حجم الوعي السياسي المتنامي لدى المواطنين، وأثبتت أن الناخب أصبح أكثر إدراكًا للمشهد وأكثر قدرة على التمييز بين الدعاية والشخصية الحقيقية للمرشح.
ورغم ما شهدناه من تجاوزات وسلوكيات مرفوضة، يبقى المشهد العام أكثر نضجًا مما كان في السابق.
لقد أثبتت التجربة أن الفوز الحقيقي ليس فقط في عدد الأصوات، بل في الحفاظ على الأخلاق وشرف الكلمة واحترام إرادة الناس.







