في خضم المعركة الانتخابية المحتدمة على مقاعد البرلمان، حيث يرفع الجميع شعار “تمثيل صوت الشعب”، يبرز خطأ سياسي قاتل يكشف عن قصر رؤية مروع: التجاهل شبه الكامل لملف الأشخاص ذوي الإعاقة في البرامج الانتخابية لأغلب المرشحين.
هذا التجاهل ليس إغفالاً عابراً، بل انتحار انتخابي مكتمل الأركان، يهدر قوة تصويتية هائلة تتجاوز عشرات الآلاف في كل دائرة انتخابية، ويتناقض تماماً مع التوجه الرسمي للدولة المصرية التي جعلت تمكين ذوي الإعاقة أولوية وطنية.
لقد ولى زمن “الإحسان” وحل عصر المواطنة والمساءلة، وأي مرشح لا يدرك هذه الحقيقة، يكتب بيده شهادة سقوطه السياسي.
كتلة الـ 11%.. القوة التي لا يراها البعض
الأشخاص ذوو الإعاقة يمثلون نحو 11% من التعداد السكاني، أي ما يقارب 12 مليون مواطن، يضاف إليهم الملايين من أفراد أسرهم الداعمين والمؤمنين بقضيتهم،
وفي محافظات مثل سوهاج، التي تشهد دوائر انتخابية ملتهبة وتنافساً شرساً، فإن صوت هذه الكتلة قادر على ترجيح الكفة أو إسقاط المنافس في اللحظة الأخيرة.
الخطيئة الكبرى ليست في نقص الدعم الحكومي، بل في قصور الرؤية السياسية لدى كثير من المرشحين الذين لا يزالون ينظرون إلى ذوي الإعاقة كعبء اجتماعي، لا كقوة تغيير.
إنهم يفضلون الغرق في وعودٍ خدمية تقليدية، بينما يتجاهلون الملفات الجوهرية مثل:
- تفعيل قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
- تطبيق نسبة الـ5% في التوظيف.
- ضمان الإتاحة الكاملة للمباني والخدمات.
- توفير خدمات تعليمية وصحية وتأهيلية متكاملة.
الولاء الذي لا يُشترى
القوة الحقيقية لهذه الكتلة لا تكمن في عدد الأصوات فقط، بل في عمق الولاء وصدق الانتماء.
ذوو الإعاقة وأسرهم يتميزون بترابط اجتماعي قوي يجعلهم كتلة تصويتية واعية ومنظمة بطبيعتها.
ولاؤهم لا يُشترى بالمال أو الخدمات المؤقتة، بل يُكتسب بالصدق والالتزام بالقضية، وحين يشعر الناخب من ذوي الإعاقة أن المرشح صادق في طرحه ومدافع حقيقي عن حقوقهم، يتحول إلى أداة دعاية بشرية فاعلة، أكثر تأثيراً من أي إعلان أو حملة ممولة.
تجاهل هذه الحقيقة يعني خسارة مزدوجة: خسارة الأصوات، وخسارة الثقة المجتمعية التي تُبنى عليها الحملات الانتخابية الناجحة.

أين اختفت أمانات الإعاقة في الأحزاب؟
لا يمكن إعفاء الأحزاب السياسية من المسؤولية، فأمانات ذوي الإعاقة داخل تلك الأحزاب التي كان يُفترض أن تكون الذراع الفكرية والتنظيمية للدفاع عن حقوق هذه الفئة، باتت شبه غائبة عن المشهد.
لم نر لها دوراً حقيقياً في إعداد كوادر أو دعم مرشحين أو طرح برامج واضحة لتفعيل القانون.
إن هذا الغياب أفرز قوائم انتخابية خاوية من الرؤية الاجتماعية والسياسية، وأدى إلى استمرار التعامل مع قضايا الإعاقة كملف هامشي لا كأولوية وطنية.
النداء الأخير.. الورقة الانتخابية مسؤولية إلى كل ناخب من الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم في كل دائرة:
ورقتكم الانتخابية ليست مجاملة، بل أداة مساءلة ومحاسبة، وقبل أن تُمنحوا أصواتكم، اسألوا المرشح سؤالاً واحداً محدداً:
“ما هو البند التفصيلي في برنامجك لتفعيل قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؟”ومن لا يملك إجابة واضحة ومشروعاً قابلاً للتطبيق، لا يستحق أصواتكم.
الوعي التصويتي هو السلاح الأقوى. وحين تُحشد كتلة ذوي الإعاقة بوعي، تصبح الرقم الصعب في أي معادلة انتخابية.
الرسالة إلى الأحزاب والمرشحين
التمثيل البرلماني ليس شعاراً يُرفع، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية، ومن يتغافل عن 11% من الشعب، ويهمل حقوقهم في برنامجه الانتخابي، يضع نفسه خارج دائرة التمثيل الشعبي الحقيقي.
القادم لن يكون للأقوى مالاً أو صوتاً دعائياً، بل للأصدق رؤية والأقرب إلى هموم الناس.
قضية الأشخاص ذوي الإعاقة لم تعد هامشية ولا إنسانية فقط، بل سياسية بامتياز، تمسّ العدالة والمساواة والكرامة، والانتخابات المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لمدى وعي الأحزاب والمرشحين بأن صوت الـ11% أصبح فيتو انتخابياً حقيقياً، لا يمكن تجاوزه بعد اليوم.







