لا تبدأ المرحلة الحاسمة في أي مشروع إصلاحي عند إعلانه، وإنما بعد الإعلان، عندما يصبح المطلوب تحويل القرار إلى واقع. فالتاريخ يعلمنا أن كثيرًا من فرص الإصلاح لم تتعثر لأنها افتقدت القرار، وإنما لأنها عجزت عن التحول من إعلان سياسي إلى مشروع مؤسسي متكامل، فأصبحت جزءًا من المشهد دون أن تصبح جزءًا من الواقع.
ومن هذا المنطلق، يكتسب ما ورد في خطاب السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في الخامس من يوليو 2026، أهمية خاصة، بعدما أعاد إلى صدارة النقاش قضايا تنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الكوادر السياسية، وإجراء انتخابات المجالس المحلية، وتوسيع الحوار الإعلامي، وتعزيز التواصل مع المواطنين. وهي قضايا تعكس إدراكًا بأن الحياة السياسية المصرية أصبحت بحاجة إلى تطوير، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أدوات سياسية أكثر قدرة على التعامل مع تحدياتها.
وهذا الاعتراف يستحق التقدير، لأن أي إصلاح جاد يبدأ بالإقرار بالحاجة إليه، لكنه لا يكتمل بمجرد الإعلان عنه. فالمسافة بين إعلان الرغبة في الإصلاح وتحقيقه على أرض الواقع هي دائمًا المسافة الأكثر صعوبة، لأنها المرحلة التي تبدأ فيها المؤسسات في ترجمة التوجهات إلى سياسات، والقوى السياسية في تحديد أدوارها، كما تبدأ المصالح، القديمة منها والجديدة، في التفاعل مع المسار الجديد، وهنا يتحدد ما إذا كانت الدعوة ستتحول إلى مشروع يغير الواقع، أم إلى مسار يعيد إنتاجه.
ولعل تجربة الحوار الوطني تقدم مثالًا مهمًا على أن إطلاق المبادرات السياسية يمثل خطوة ضرورية، لكنه لا يكفي وحده لإحداث التحول المنشود. فالمبادرات تفتح الباب، أما ما يحدد أثرها الحقيقي فهو ما يليها من آليات تنفيذ، وجدول زمني واضح، ومؤشرات لقياس التقدم، ومتابعة مستمرة تضمن انتقال الأفكار من أوراق النقاش إلى واقع المؤسسات. وهو ما يؤكد أن نجاح أي مبادرة إصلاحية لا يُقاس بلحظة إطلاقها، وإنما بما تحققه من أثر مستدام في الواقع.
ولعل أخطر ما يواجه أي مشروع إصلاحي ليس الرفض المباشر، فالمواقف الرافضة تكون واضحة ويمكن التعامل معها، وإنما أن يتحول الإصلاح إلى مساحة لإعادة إنتاج الواقع القائم، سواء من خلال أطراف اعتادت هذا الواقع وتسعى إلى الحفاظ عليه، أو من خلال أطراف جديدة ترى في الإصلاح فرصة للحصول على مواقع ونفوذ، فيصبح التنافس على إدارة الإصلاح أهم من تحقيق أهدافه، ويتحول الاهتمام بالمواقع إلى بديل عن الاهتمام بتغيير القواعد.
فالقضية ليست أن تتغير الوجوه، وإنما أن تتغير القواعد التي تعمل في إطارها هذه الوجوه، لأن تغيير الأشخاص قد يبدل المشهد، لكنه لا يغير بالضرورة طريقة إدارته، أما تغيير القواعد فهو وحده القادر على تحويل الإصلاح من لحظة سياسية إلى مسار مستدام.
وهنا يكمن معيار النجاح الحقيقي. فلا يُقاس نجاح الإصلاح بعدد الاجتماعات، أو المبادرات، أو الوجوه الجديدة، وإنما بقدرته على تغيير قواعد العمل نفسها، بحيث تصبح الأحزاب أكثر حضورًا، والمحليات مدرسة حقيقية لإعداد القيادات، والإعلام مساحة للنقاش المسؤول، والمواطن شريكًا يشعر بأن مشاركته قادرة على إحداث فرق.
وتزداد أهمية هذه اللحظة لأنها تأتي في وقت تواجه فيه الدولة المصرية والمجتمع تحديات اقتصادية واجتماعية وإقليمية معقدة، وهي ظروف تجعل وجود حياة سياسية أكثر حيوية ليس مطلبًا حزبيًا، وإنما ضرورة وطنية. فكلما ازدادت التحديات، ازدادت حاجة الدولة إلى مجتمع أكثر مشاركة، وإلى مؤسسات سياسية أكثر قدرة على استيعاب الحوار، وإنتاج الأفكار، وإعداد الكوادر، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لما ورد في خطاب الرئيس لن تتحدد بحجم الترحيب الذي حظي به، وإنما بقدرته على أن يتحول إلى برنامج عمل واضح، يحدد الأولويات، ويوزع المسؤوليات، ويضع إطارًا زمنيًا للتنفيذ، ويخضع للمتابعة والتقييم، حتى يصبح الإصلاح عملية مستمرة، لا مناسبة سياسية عابرة.
إن الدول لا تتقدم بإعلان نوايا الإصلاح، وإنما بقدرتها على إدارة لحظة الإصلاح، وحماية أهدافها من أن تضيع وسط صراع المصالح أو الاكتفاء بتغيير الأشخاص دون تغيير القواعد.
ولذلك، فإن أثر خطاب الخامس من يوليو 2026 لن يُقاس بما أثاره من اهتمام، وإنما بما سيترتب عليه من نتائج. فالتاريخ لا يتذكر كثيرًا من أعلنوا الإصلاح، بقدر ما يتذكر من نجحوا في تحويله إلى واقع.
أما الاختبار الأصعب… فقد بدأ.







