قضية حقوق الحيوان مكانة متزايدة في النقاشات المجتمعية المعاصرة، خاصة في ظل تنامي الوعي الإنساني بأهمية الرحمة والرفق بالكائنات التي تعيش بيننا. وفي قلب هذا الجدل، تبرز حملات غير إنسانية، تدعو الناس إلى عدم إطعام حيوانات الشارع، وتحرض على العنف ضدهم بحجة أن فضلات الطعام قد تسبب انتشار الأمراض أو أن كثرة الأكل تؤدي إلى تكاثر الحيوانات بشكل مبالغ فيه، مما يشكل خطراً على البشر، وخاصة الأطفال.
لكن هذه الدعوات، رغم ما تبدو عليه من حرص على الصحة العامة، تحتاج إلى مراجعة دقيقة ومنصفة. فالحقيقة أن الرفق بالحيوان وإطعامه لا يتعارض مع حماية المجتمع من الأمراض أو الحفاظ على التوازن البيئي، بل يمكن أن يسيران جنباً إلى جنب إذا أدرنا الأمر بعقلانية ورحمة.
الرد على الحجة الصحية
يروج البعض أن بقايا الطعام التي تُترك للكلاب والقطط الضالة قد تكون سبباً في نقل الفيروسات للإنسان. لكن الحقائق العلمية تؤكد أن أغلب الأمراض التي تنتقل من الحيوان إلى الإنسان (الأمراض المشتركة) مرتبطة بسوء النظافة العامة، وغياب برامج الدولة للتطعيم والرعاية البيطرية، لا بعملية إطعام الحيوان نفسه.
فالقطط والكلاب تأكل في الأصل من القمامة إذا لم تجد طعاماً نظيفاً يقدمه لها الناس. بمعنى أن منع الطعام لا يلغي وجودها في الشارع، بل يدفعها للبحث عن بدائل أكثر خطراً، كالنبش في أكياس القمامة أو التهام مخلفات ملوثة. ومن هنا يصبح الخطر الصحي أكبر، لا أقل.
إذن، الحل ليس في ترك الحيوان يتضور جوعاً، وإنما في تنظيم عملية الإطعام وتوفير طعام نظيف في أماكن محددة، مع المطالبة ببرامج وقاية صحية من قبل الجهات المعنية.
مسألة التكاثر
من الحجج الأخرى أن إطعام الحيوانات الضالة يساعد على تكاثرها، وبالتالي يزداد عددها بشكل غير محتمل. لكن هذه النظرة تتجاهل أن التكاثر الطبيعي للكلاب والقطط لا يتوقف على وجود الطعام فقط، وإنما على عوامل أخرى مثل غياب برامج التعقيم والتطعيم التي تطبقها دول كثيرة بنجاح للحد من الأعداد المفرطة.
ففي دول أوروبية وآسيوية، لم يلجأ أحد إلى تجويع الحيوانات كحل، بل اعتمدوا على برامج الإمساك والتعقيم ثم الإطلاق (TNR)، وهي طريقة إنسانية أثبتت فعاليتها في ضبط أعداد القطط والكلاب بمرور الوقت.
أما منع الطعام بحجة تقليل التكاثر فهو إجراء قاسٍ لا يحل المشكلة من جذورها، بل يزيدها تعقيداً، لأنه يحول الحيوان الجائع إلى كائن أكثر عدوانية بحثاً عن البقاء.
فكرة الخطر على الإنسان والأطفال
من المخاوف المنتشرة أيضاً أن الكلاب الضالة قد تهاجم المارة أو الأطفال في الشوارع. والواقع أن سلوك الكلب أو القطة يرتبط ارتباطاً مباشراً بمدى شعورها بالأمان. الحيوان الجائع والخائف هو الأكثر ميلاً للهجوم أو النباح المبالغ فيه، بينما الحيوان الذي يجد من يطعمه ويهتم به يصبح أكثر هدوءاً وألفة.
تجارب كثيرة أثبتت أن المجتمعات التي تعاملت مع حيوانات الشارع برفق لم تشهد حوادث عدوانية تذكر، بل تحولت تلك الحيوانات إلى جزء من البيئة الاجتماعية، مألوفة ومحبوبة، وتقوم أحياناً بحماية الأحياء من الغرباء أو القوارض.
الأبعاد الدينية والأخلاقية
من أهم ما يجب التأكيد عليه أن الأديان السماوية كلها دعت إلى الرحمة والرفق بالحيوان.
في الإسلام، وردت أحاديث كثيرة عن فضل سقي وإطعام الحيوان، منها قصة الرجل الذي سقى كلباً عطشان فغفر الله له ذنوبه، والمرأة التي دخلت النار بسبب قطة حبستها ومنعت عنها الطعام والماء. هذه النصوص واضحة في أن الرحمة بالحيوان عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله.
وفي المسيحية، تتكرر الدعوة إلى الرحمة باعتبارها قيمة محورية، وتشمل جميع الكائنات التي خلقها الله. يقول الكتاب المقدس: “الصديق يراعي نفس بهيمته”. أي أن الإنسان الصالح يهتم حتى بالحيوان الضعيف.
وفي اليهودية أيضاً نجد وصايا صريحة بعدم إيذاء الحيوان، مثل تحريم ذبح الأم وصغيرها في يوم واحد، ومنع تكميم فم الثور أثناء حرثه حتى يأكل مما يعمل فيه.
إذن، لا يمكن تبرير القسوة على الحيوانات أو تركها جائعة بحجة حماية الإنسان، لأن القيم الدينية كلها تجمع على أن الرحمة واجب، وأن الله خلق هذه الكائنات لتشاركنا الأرض بسلام.
المسؤولية المجتمعية
القضية ليست مجرد “إطعام” أو “منع طعام”، بل هي انعكاس لطريقة تفكير مجتمع كامل في تعامله مع الكائنات الأضعف. فالمجتمع الذي يربي أبناءه على القسوة تجاه الحيوان سيجد صعوبة في بناء أجيال رحيمة ومتسامحة فيما بينهم.
الرفق بالحيوان ليس رفاهية، بل هو جزء من تربية الضمير الإنساني. الطفل الذي يرى والدته تضع طعاماً لقط جائع يتعلم عملياً معنى الرحمة والعطاء. أما الذي يرى الآخرين يطاردون كلباً أو يمنعون عنه الماء، فسيترسخ في داخله أن القسوة سلوك مقبول.
نحو حلول متوازنة
لا شك أن مشكلة حيوانات الشارع تحتاج إلى حلول عملية، لكن الحلول يجب أن تكون إنسانية وعلمية في آن واحد. ومن أبرز ما يمكن تطبيقه:
1. تخصيص أماكن للإطعام بعيداً عن المدارس والمستشفيات لضمان النظافة وعدم الإزعاج.
2. تنفيذ برامج التعقيم والتطعيم للحد من التكاثر والسيطرة على الأمراض.
3. التوعية المجتمعية بأهمية الرحمة بالحيوان وربطها بالقيم الدينية.
4. التعاون مع الجمعيات الأهلية والبيطرية لتبني حلول مستدامة بدل القرارات القاسية.
إن رفض حملات “منع الإطعام” ليس فقط موقفاً عاطفياً، بل هو موقف عقلاني يستند إلى العلم والدين والأخلاق. نحن بحاجة إلى حلول عادلة تحفظ التوازن بين حماية الإنسان ورعاية الحيوان، لا إلى سياسات قاسية تدعو للتجويع والإهمال والعنف ضد كائنات ضعيفة لا تطلب إلا ان تأكل، فهي تتألم؟وتحزن، وهي اوفى من كثير من البشر، لا تعض الأيدي التي تساعدها او تطعمها، بل تحميها إذا طلب الأمر ذلك.
الرحمة بالحيوان واجب ديني وأخلاقي وإنساني، لا ينقص من قدر الإنسان بل يزيده رفعة. وقد علّمتنا الأديان السماوية أن الله رحيم يحب الرحماء، ومن لا يَرحم لا يُرحم.







