ليست كل الأزمنة في حياة الإنسان سواء، فهناك أوقات تمر عابرة لا تترك أثرًا، وأوقات أخرى يصنع الله لها مكانة خاصة، لتتحول من مجرد أيام في التقويم إلى محطات لإحياء القلب وإعادة تشكيل الروح. ومن أعظم هذه الأزمنة الأشهر الحرم التي قال الله تعالى عنها:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ… مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾
إن المتأمل في ختام الآية يدرك أن التعبير القرآني يحمل معنى أعمق من مجرد بيان عدد الشهور أو تحديد الأشهر الحرم، فقول الله تعالى: ﴿ذلك الدين القيم﴾ يوحي بأن استقامة الدين مرتبطة أيضًا بطريقة نظر الإنسان إلى الزمن، وتعظيمه لما عظّمه الله، والتعامل مع بعض المواسم باعتبارها فرصًا استثنائية للسمو الإيماني والتقرب إلى الله.
وفي علوم الإعلام والاتصال توجد نظرية معروفة تُسمى Framing Theory، وهي من النظريات التي تفسر كيف تؤثر وسائل الإعلام على طريقة فهم الناس للأحداث والقضايا.
فوسائل الإعلام لا تنقل الخبر مجردًا فقط، بل تضعه داخل “إطار” معين يجعل الجمهور ينظر إليه من زاوية محددة. فقد تعرض القناة التلفزيونية أو الصحيفة أو الإذاعة الحدث بطريقة تبرز جانبًا دون آخر، أو تمنحه معنى خاصًا يتفق مع سياسة الوسيلة الإعلامية وتوجهها الفكري، فيتأثر فهم الجمهور وفق هذا الإطار الذي صيغت به الرسالة.
ومن هنا تتجلى عظمة التعبير القرآني؛ فالقرآن الكريم لم يقدّم الأشهر الحرم باعتبارها مجرد تقسيم زمني، بل أعاد “تأطير” الزمن نفسه في وعي الإنسان. لقد نقل نظرتنا إلى هذه الأشهر من كونها أيامًا عادية إلى كونها مواسم للطاعة والسكينة ومراجعة النفس، وكأن الله سبحانه وتعالى يريدللإنسان أن يرى الزمن بعين مختلفة؛ عين الإيمان لا عين الاعتياد.
إن المعنى الجوهري في قوله تعالى: ﴿ذلك الدين القيم﴾ هو أن الدين لا يبني علاقة الإنسان بالله فقط عبر الأوامر والنواهي، بل يبني أيضًا وعيه بالأوقات، ويعلّمه أن بعض اللحظات تحمل قيمة روحية مضاعفة. فالأشهر الحرم ليست مجرد أشهر يُمنع فيها القتال أو تُضاعف فيها الحرمة، بل هي مساحة ربانية لإعادة ترتيب القلب، واستعادة الهمة، والانفصال المؤقت عن صخب الدنيا.
لقد أراد القرآن أن يصنع داخل الإنسان شعورًا مختلفًا تجاه هذه الأزمنة المباركة؛ شعورًا يجعله أكثر قربًا من الطاعة، وأكثر استعدادًا للتوبة، وأكثر وعيًا بأن الزمن قد يكون وسيلة للارتقاء أو سببًا في الغفلة.
وهذا بحد ذاته نوع من “التأطير الإيماني” الذي يغيّر طريقة إدراك الإنسان للحياة.
وحين نفهم الأشهر الحرم بهذا العمق، فإنها لن تصبح مجرد تواريخ تمر في التقويم الهجري، بل ستتحول إلى رسائل إلهية متجددة تقول للإنسان: ما زالت أمامك فرصة للنهوض، وما زال باب العودة مفتوحًا، وما زال الزمن قادرًا بحول الله على أن يصنع منك إنسانًا أقرب إلى الله وأكثر استقامة.
وهنا تتجلى حقيقة التعبير القرآني البليغ: ﴿ذلك الدين القيم﴾؛ أي ذلك المنهج المستقيم الذي لا يكتفي بتنظيم حياة الإنسان، بل يعيد تشكيل نظرته إلى الزمن، وإلى العبادة، وإلى نفسه أيضًا.







