ليست كلُّ البساتينِ تُرى بالعين، ولا كلُّ الأشجار تُثمرُ ثمرًا يُقطف باليد. ثمّة بساتينُ أخرى، خفيّةٌ في ظاهرها، باسقةٌ في حقيقتها؛ بساتينُ من المعاني، تُروى باليقين، وتُزهرُ بالكلمة الطيّبة، وتُثمرُ هدايةً في القلوب. هناك، حيث لا ظلالَ من ورقٍ، ولكن ظلالٌ من سكينة، ولا جداولَ ماءٍ، ولكن ينابيعُ من نور—ينكشفُ لك معنى “البستان” على وجهٍ آخر: فضاءٌ حيٌّ تنمو فيه الرسالة، وتتنفّس فيه الروحُ ما خُلقت له.
في تلك البساتين رأيتُ رجلًا.
كان المشهد عابرًا في ظاهره، عميقًا في دلالته. في أروقة العمل حيث تتزاحم المسؤوليات، بدا كل شيء مشغولًا بالإدارة، لكن المعنى الذي حضر لم يكن إداريًا خالصًا. أمامي مدير إدارة أوقاف البساتين، الشيخ ميمي غانم؛ تتوزّعه المهام، غير أن حديثه لا يبتعد طويلًا عن الدعوة، عن المنبر، عن الكلمة التي تُقال ابتغاء وجه الله، كأنها الأصل وما سواها فرع.
وفي خضمّ الاستعدادات، كان يُهيّئ نفسه لخطبة افتتاح مسجد الحُسنى بزهراء المعادي مع أول أيام رمضان. تفصيل يبدو عاديًا ضمن جدول مزدحم، لكنه يكشف ترتيبًا مختلفًا؛ حيث لا تُزاحم المسؤولياتُ الرسالة، بل تتحرّك في فلكها.
هنا يتجلّى المعنى: قد تتعدد الأدوار، لكن تبقى للإنسان بوصلة لا تنحرف. هناك من يقطعه الانشغال، وهناك من يزيده اتصالًا بما هو أسمى. وليس هذا حاله وحده، بل هو نموذج يتكرر فيمن صدقوا مع رسالتهم.
فالبساتين ليست مكانًا يُرى، بل معنى يُعاش. بساتينُ اليقين التي لا تذبل، وبساتينُ الرسالة التي لا تُؤجَّل. ومن سكنتها هذه المعاني، ظلّ ثابتًا عليها، لا تُبعده عنها كثرةُ الأعمال ولا تغيّر المواقع.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾
فالحُسن هنا ليس في اللفظ وحده، بل في الثبات عليه، والصدق فيه، والمداومة عليه مهما تغيّرت الظروف.
رأيتُ رجلًا في البساتين…
لا لأن المكان كان بستانًا، بل لأن المعنى كان كذلك. رأيتُ من لم تُبعده الأعباء، ولم تُلهه التفاصيل، بل ظلّ وفيًّا لرسالته، حارسًا لها، عاملًا بها. وهكذا يبقى أثرُ بعض الناس: لا يُقاس بما أنجزوه فحسب، بل بما ثبتوا عليه، وبما غرسوه في غيرهم من معانٍ لا تذبل…. حقا رأيت رجلا في البساتين.







