كتب: احمد فؤاد البارودي
تُعد العملية الانتخابية في أي دولة ديمقراطية مرآة تعكس وعي المجتمع وقدرته على اختيار ممثليه ، وفي مصر كما في العديد من الدول، يظل الناخب محاطاً بتيارات تأثير متعددة، يأتي على رأسها المال السياسي والآلة الإعلامية، وهما عاملان حاسمان في تشكيل خياراته وتوجيه صوته.
أولاً: سطوة المال السياسي وتأثيره المباشر
يشير المال السياسي إلى استخدام الموارد المالية بطرق مباشرة أو غير مباشرة للتأثير على العملية الانتخابية ونتائجها. ويظهر تأثيره في السياق المصري في عدة صور:
- الدعاية المكثفة: القدرة على الإنفاق الضخم لتمويل حملات دعائية واسعة النطاق، سواء عبر الإعلانات المطبوعة أو اللوحات الإعلانية العملاقة أو الحملات الرقمية، مما يضمن وصول المرشح إلى أكبر شريحة ممكنة.
- الخدمات والتبرعات: بعض المرشحين يلجؤون إلى تقديم خدمات مجتمعية أو تبرعات مالية أو عينية في مناطق نفوذهم الانتخابي قبل فترة طويلة من الانتخابات، لخلق ولاء أو “دين” اجتماعي يترجم إلى أصوات يوم الاقتراع.
- شراء الأصوات (غير القانوني): وهو الوجه الأكثر سلبية للمال السياسي، حيث يتم دفع مبالغ نقدية مباشرة للناخبين مقابل التصويت، وهي ممارسة تُضعف نزاهة العملية الديمقراطية.
ورغم أن الدولة تبذل جهوداً لمواجهة هذا التحدي، إلا أن تأثيره يظل قوياً، خاصة في الفئات الأقل وعياً أو التي تعاني من ضغوط اقتصادية.
ثانياً: دور الإعلام في صياغة الوعي الانتخابي
لا يقل تأثير الإعلام أهمية عن تأثير المال، بل إنه غالباً ما يكون الذراع الممتدة للمال السياسي. يلعب الإعلام (التقليدي والرقمي) دوراً حيوياً في:
- بناء الصورة الذهنية: يقوم الإعلام، خاصة مواقع التواصل، بتلميع صورة المرشحين المدعومين، وتركيز الضوء على إنجازاتهم (الحقيقية أو المبالغ فيها)، وتجاهل أو تهميش خصومهم.
- تحديد الأجندة: يمتلك الإعلام القدرة على تحديد القضايا الأكثر أهمية التي يجب أن يفكر فيها الناخب. فبدلاً من التركيز على البرامج الاقتصادية المعقدة، قد يتم التركيز على قضايا فرعية أو عاطفية أكثر تأثيراً في قرار الناخب.
- التعبئة والتوجيه: تستغل منصات التواصل الاجتماعي لضمان الوصول الفيروسي للرسائل الموجهة، حيث تتحول مجموعات الناشطين إلى أدوات تعبئة ضخمة تهدف إلى حشد المصوتين نحو خيار معين فيصبح الناخب المصري بين مطرقة المال وسندان الإعلام.
فيجد الناخب المصري نفسه في مواجهة دائمة بين هذين العاملين. التحدي الأساسي للناخب هو القدرة على التمييز بين الدعاية الممولة والرسائل الموضوعية. إن قرار الناخب الرشيد يتطلب:
- الوعي القانوني: فهم حدود المال السياسي المشروع وغير المشروع.
- التفكير النقدي: عدم الاكتفاء بمصدر واحد للمعلومة والبحث عن برامج المرشحين بدلاً من صورهم أو وعودهم العابرة.
- المساءلة المجتمعية: رفض الإغراءات قصيرة الأمد مقابل اختيار ممثلين يخدمون المصلحة العامة طويلة الأمد.
إن ضمان عملية انتخابية نزيهة وفعالة يتطلب جهداً مشتركاً من الدولة لتعزيز الرقابة على تمويل الحملات، وجهداً من المؤسسات التعليمية والمجتمع المدني لرفع الوعي، وأخيراً، إرادة حرة وواعية من الناخب المصري ذاته حتي لا نصل الي كوراث يجلبها لنا المال السياسي ويجب علينا وضع خطة لمواجهة هذا التحالف الخطير،بين المال السياسي والاعلام منها :
- تعزيز استقلالية الإعلام: من خلال دعم الصحافة الاستقصائية، وتوفير التمويل المستقل للمؤسسات الإعلامية، والعمل على تأهيل الصحفيين على الأخلاقيات المهنية.
- الشفافية المالية: سن قوانين صارمة لـ مكافحة تضارب المصالح بين المال والسياسة، وتجريم الإثراء غير المشروع، ومراقبة مصادر تمويل الحملات الانتخابية والمؤسسات الإعلامية.
- دور المجتمع المدني: تقوية دور منظمات المجتمع المدني والمنصات البديلة (إعلام المواطن) في كشف الفساد ومحاسبة المسؤولين، وتوعية الجمهور بآليات التضليل الإعلامي.
- إصلاح القوانين: سن تشريعات تحمي الإعلاميين النزهاء من الابتزاز أو التتبعات الجزائية التي تهدف إلى “تكميم الأفواه”، مع ضمان الحفاظ على حرية التعبير.







