كتبَ: ياسر عبدالرحمن
منذ أن بزغ نور الحضارة على ضفاف النيل كانت مصر أكثر من مجرد وطن كانت درعًا للعالم وحارسًا للتاريخ الإنساني في وجه الأخطار التي كادت تُبيد البشرية ، فعلى أرضها وُلد العلم ومنها انطلقت المعرفة وعبرها عبرت الرسالات والثقافات لتصوغ وجه الإنسان على الأرض.
ففي كل مرحلة من التاريخ حين كان الخطر يحدق بالبشرية كانت ارض الكنانة حاضرة بعقلها وقوتها وموقعها تتقدّم الصفوف لتصده لتصبح بحقّ “البلد الذي إذا سقط تهاوى العالم، وإذا صمد بقي الأمل.”
من فجر الحضارة إلى نور الإنسانية
في زمنٍ لم يعرف العالم فيه الطب ولا الهندسة، كانت البرديات القديمة مثل بردية إيبرس وإدوين سميث مرجعًا في الجراحة والدواء والتشريح و على أيدي أطباء الفراعنة وُضعت أولى القواعد العلمية التي أنقذت الإنسان من الجهل والمرض لتصبح مصر مهد الطب والعقل في العالم القديم.
وحين كان الطوفان يهدد الزراعة والحياة أبدع الفراعنة في نظام الري وتنظيم الفيضانات فصارت الدولة مركزًا للتوازن البيئي والغذائي في محيطها ، ولولا علمهم بالنيل ومواسمه لتعرضت الحضارات المجاورة للمجاعة والانهيار.
مصر التي حمت هوية الشعوب
عبر القرون، كانت بلادنا هدفًا للطامعين لكنها كانت أيضًا قلب المقاومة في وجه الاستعمار ، من مقاومة الهكسوس في العصور القديمة إلى دحر الحملات الصليبية وصولًا إلى ثورة 1919 التي هزّت عرش الإمبراطورية البريطانية و كانت دائمًا صوت الحرية في زمنٍ صامت ، ثم جاء قرار تأميم قناة السويس عام 1956 فكان لحظةً فاصلةً في التاريخ الحديث ، لم يكن مجرد قرار اقتصادي بل صفعة للاستعمار العالمي ومنه استلهمت شعوب آسيا وأفريقيا إرادة التحرر والسيادة على مواردها.
مصر التي تصون السلام وتحارب الإرهاب
في العصر الحديث ظلّت القاهرة صمام الأمان للمنطقة والعالم و شاركت في قوات حفظ السلام بالأمم المتحدة في أفريقيا وآسيا وأسهمت في تسوية النزاعات بالحوار والدبلوماسية.
وفي الداخل خاضت حربًا شرسة ضد الإرهاب خاصة في سيناء، ليس دفاعًا عن حدودها فقط بل حمايةً للعالم من موجات التطرف التي تهدد الأمن الدولي ، لقد دفعت مصر دماء أبنائها ثمنًا لاستقرارٍ عالميٍّ كانت تُدرك أنه لا بديل عنه.
جسر الحضارات وراعية العلم
بعد الفتح الإسلامي تحوّلت القاهرة إلى منارةٍ للعلم عبر الأزهر الشريف الذي استقبل علماء الشرق والغرب ليصبح منبرًا للعقل والاعتدال ومن مصر خرج ابن الهيثم رائد البصريات الحديثة الذي أسّس لمناهج البحث العلمي التي قامت عليها أوروبا لاحقًا.
ولولا ما حفظه المصريون من تراثٍ علمي وفكري لكان تاريخ الإنسانية مليئًا بالفراغ.
مصر اليوم.. تواصل رسالتها
اليوم تواصل الدولة دورها الحضاري والإنساني في مواجهة الأخطار الجديدة ، من الإرهاب والتطرف إلى أزمات المياه والمناخ إلى الدفاع عن استقرار القارة الأفريقية والعالم العربي ، فهي لا تحمي نفسها فقط بل تحمي فكرة الإنسان المستقر المتحضر في مواجهة الفوضى والانقسام.
لقد كانت أرض الكنانة ولا تزال ميزان العالم حين يختل وصوته حين يصمت وعقله حين يضيع ، فمنذ فجر التاريخ حتى اليوم، علّمت الإنسان كيف يقاوم وكيف يبني وكيف يحافظ على الحياة.
وحقًا لولا مصر لكان وجه العالم مختلفًا… وربما لم يكن له وجهٌ أصلًا.








