لن أفترض حدوثها عن قصد، ولن أجزم بأن حيثياتها تحمل إهانة، فلو وقعت عمدًا فهي جريمة تستحق المحاسبة، أتحدث هنا عن واقعة “كيس الفول” في محافظة بني سويف، حديث القاصي والداني، المحتوى الأكثر جدلا على المنصات، القضية الأبرز في محكمة “الفيس بوك” الساعات الماضية.. من الجاني، ومن الضحية في واقعة “كيس الفول”؟ .
طالبة في الصف الأول الثانوي، تجلس بين زميلاتها داخل الفصل، تنتمي لأسرة بسيطة، تقيم في إحدى قرى محافظة بني سويف، أحضرت معها وجبة طعام شعبية: “رغيفان وكيس فول”.. في مشهد آخر، يدخل وكيل الوزارة للفصل في جولة متابعة لسير اليوم الدراسي، يوجّه لها حديثًا قيل إنه حمل توبيخًا وسخرية، ما أدى لشعورها بالحزن والانكسار.. هكذا باختصار صوّر الرأي العام المشهد المتداول بين الطالبة ووكيل الوزارة.
الدكتور محمود الفولي
ولأن هذه النوعية من الوقائع تثير تعاطفًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد انتشرت بسرعة خلال الساعات الأخيرة، وأثارت غضبًا كبيرًا، وجّهت انتقادات حادة إلى مسؤول التعليم بالمحافظة، الدكتور محمود الفولي، ولم يتأنَّ كثيرون في تداول رواية الحدث، وما تطرحه الواقعة من تساؤلات مهمة: هل كان ما دار بين الوكيل والطالبة مجرد حوار هدفه ضبط النظام داخل الفصل؟.. أم أن الاعتراض كان على نوعية الوجبة نفسها ؟ .. وهل تحول هذا الاعتراض إلى حد السخرية حقا؟ .. أم أنها روايات منقوله ؟ ..
هل يستحق المشهد أيضا كل هذا التصعيد من الرأي العام؟ .. ولماذا جرى تصويره وكأنه مشهد كوميدي هدفه إثارة الضحك والسخرية بين الطالبات؟ .. وهل يمكن لمسؤول يتولى دورًا وطنيًا مهمًا في قطاع حيوي كالتعليم أن يسخر من ظروف طالبة أو يتنمر على فقرها؟.. وأخيرًا، كيف يمكن أن نخرج من هذه الواقعة بتسليط الضوء على القضايا الأهم؟ ..
علينا التأكيد أن واقعة بني سويف فتحت الباب لمناقشة ملف بالغ الأهمية، وهو “التغذية المدرسية”: كيف يدار في مدارس القرى والنجوع والكفور؟ .. وهل تصل بالفعل إلى مستحقيها من الطلاب أم تعوقها إجراءات الروتين؟ .. وماذا عن المبلغ الذي حددته الموازنة العامة — 7 مليارات جنيه — للتغذية المدرسية؟ .. ما مصيره؟.. وهل يُخصص بالكامل لهذا الغرض أم يُنفق تحت بنود أخرى؟.
الرأي العام
وفي خضم ذلك، يجب ألا نغفل أن مصر تمر بمرحلة مهمة في تاريخها، تسعى فيها للتعافي من ظروف اقتصادية استثنائية، ما يتطلب نمطًا خاصًا من المسؤولين في مواقع القيادة؛ يجيدون التعامل مع الرأي العام، يتمتعون بحس سياسي ووطني يتناسب مع طبيعة المرحلة، ويدركون أولويات الدولة في التعامل مع قضايا الوطن والمواطن.
وأقولها أخيرا بصدق وليس دفاعا عن مسؤول، لمن لا يعرف الدكتور محمود الفولي: هو خبير تربوي وباحث معروف في شؤون التعليم، تولى مناصب قيادية في عدد من المحافظات، منها الجيزة والمنوفية والسويس، وأخيرًا بني سويف، مشهود له بالكفاءة والشهامة وحسن الخلق، يدرك جيدًا كيف يدير المواقف وكيف يتعامل مع الطلاب والمعلمين، ولم أتخيل حتى هذه اللحظة أن يصدر منه مثل هذه التصرفات .







