أصبحت ظاهرة انتشار الكلاب الضالة في شوارع مصر قضية تشغل الرأي العام وتثير نقاشات واسعة بين الأبعاد الإنسانية، والبيئية، والأمنية. فمع تزايد الأعداد بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، لم يعد الأمر مجرد “مشهد مألوف” بل تحول إلى تحدٍ يواجه الصحة العامة وسلامة المواطنين وامنهم واذا قمنا باستعراض تفاصيل هذه الظاهرة، ومخاطرها، والجهود الحالية للتعامل معها سنجد أرقام وإحصائيات صادمة
تشير التقديرات الرسمية وغير الرسمية في أواخر عام 2025 إلى أن أعداد الكلاب الضالة في مصر شهدت طفرة كبيرة. بينما قدرت جهات بيطرية العدد بنحو 10 إلى 15 مليون كلب، صرحت مصادر أخرى بأن العدد قد يقترب من 40 مليون كلب منتشرة في المحافظات المختلفة، وهو ما يتجاوز بمراحل “التوازن البيئي” الذي حدده الخبراء بنحو 6 ملايين كلب فقط.
لماذا تفاقمت الظاهرة؟
يرجع الخبراء هذا الانتشار إلى عدة عوامل مجتمعة:
- سرعة التكاثر: تلد أنثى الكلب من 4 إلى 8 جراء في المرة الواحدة، وبمعدل مرتين أو ثلاث سنوياً.
- تراكم النفايات: تمثل أكوام القمامة في الشوارع “مصدراً غذائياً مستداماً” يساعد على بقاء هذه الحيوانات وتكاثرها.
- غياب الحلول الجذرية: لسنوات طويلة، اعتمد التعامل على حلول مؤقتة أو ردود فعل لواقعات معينة دون وجود استراتيجية قومية موحدة حتى وقت قريب.
المخاطر المترتبة على الانتشار العشوائي
تتعدد الأخطار التي تسببها الكلاب الضالة، ولا تقتصر فقط على “الخوف” من العقر، بل تشمل:
- مرض السعار (داء الكلب): يظل الخطر الأكبر، فهو مرض فيروسي قاتل بنسبة 100% إذا لم يتم تلقي اللقاح فور الإصابة. سجلت المستشفيات المصرية في عام 2025 ما يقرب من 190 ألف حالة عقر، بزيادة قدرها 25% عن العام السابق.
- التهديد الأمني والمجتمعي: تسبب هجمات الكلاب، خاصة في المناطق الطرفية والجديدة، حالة من الذعر للأطفال وكبار السن، وقد تؤدي إلى حوادث طرق نتيجة اعتراضها المفاجئ للسيارات ليلاً.
- الأثر النفسي: يعاني الكثير من المواطنين من “فوبيا الكلاب”، مما يعيق حركتهم اليومية في بعض الأحياء التي تسيطر عليها مجموعات كبيرة من الكلاب.
استراتيجية الدولة للحل (خطة 2030)
تخلت الدولة عن الحلول القديمة (مثل استخدام السموم) واتجهت نحو أساليب أكثر إنسانية وعلمية تماشياً مع المعايير الدولية والرفق بالحيوان:
منهجية TNVR: وهي اختصار لـ (الإمساك، التعقيم، التطعيم، ثم الإعادة). تهدف هذه الخطة إلى وقف تكاثر الكلاب وتطعيمها ضد السعار قبل إعادتها لبيئتها لضمان عدم دخول “كلاب غريبة” مريضة للمنطقة.
إنشاء ملاجئ (شلاتر): خصصت محافظة القاهرة و12 محافظة أخرى قطع أراضي لإنشاء مراكز إيواء متكاملة، حيث يتم فحص الكلاب وتصنيفها (أليفة، مريضة، أو عقورة).
القوانين الجديدة: إقرار ضوابط صارمة لحيازة الكلاب المنزلية لمنع تسربها للشوارع، مع ضرورة تركيب “ميكروشيب” للتعريف بهوية الكلب وصاحبه.
وفي النهاية نوضح بأن مواجهة أزمة الكلاب الضالة تتطلب تضافر الجهود بين الحكومة والمجتمع المدني. الحل لا يكمن في “الإبادة”، بل في السيطرة العلمية على الأعداد وتحسين منظومة النظافة في الشوارع لقطع مصادر الغذاء عن الحيوانات الضالة.
بقلم: أحمد فؤاد البارودي







