العبد لله نشأ فى قرية صغيرة تتبع مركز ساقلتة بمحافظة سوهاج، وله ذكريات كثيرة مع الانتخابات فى فترة الثمانينات واوائل التسعينات، حيث كانت العائلات الكبيرة فى الصعيد هى التى تقدم مرشحين من ابناءها للحزب الوطنى ليخوض بهم انتخابات كانت تجرى فى اجواء بسيطة سلسة بدون فيسبوك ولا سوشيال ميديا، ونتيجتها الرسمية لا تعرفها الا عندما تصل الجرائد الينا بعد يومين على الاقل من انتهاء الانتخابات!.
ولأن الحياة السياسية فى مصر بعد تولى الرئيس الراحل مبارك كانت بسيطة، وكان الرجل يستعين باسطوات السياسة فى قيادة الحزب الوطنى، فقد جرى العرف أن مرشح الحزب يكون من اكبر العائلات فى المركز، حيث كان كل مركز له مقعدين فى المجلس احدهما عمال وفلاحين والآخر فئات، ويجوز ان يفوز عضوين من العمال والفلاحين لكن العكس لا يجوز، حيث كانت الدولة لازالت تهتم بالفلاح والعامل قبل ان يدهسهما قطار الخصخصة وبيع القطاع العام الذى جرى لاحقا.
لم تكن دائرة مركز ساقلتة استثناءا مما يجرى فى كل دوائر مصر المحروسة فى تلك الفترة، فالانتخابات كلها فردى، ولا توجد قوائم، والاحزاب كانت تزاحم الحزب الوطنى احيانا، مثل حزب الوفد ايام فؤاد باشا سراج الدين، وحزب التجمع وحزب العمل ايام ابراهيم شكري.
كانت المنافسة فى دائرة ساقلتة تقريبا محسومة لمرشح الحزب الوطنى، وكان نصيب الاسد فى عدد مرات الفوز للسياسي المخضرم والبرلمانى المحترم الاستاذ فاروق عاشور رحمة الله عليه. كانت تحدث طبعا بعض المناوشات من حزب الوفد عن طريق المهندس مصطفى حفنى متعه الله بالصحة والعافية، فقد فاز بدورة فى التسعينات بعد منافسة شرسة، و ايضا الناصرى والبرلمانى ونقيب المحامين الاسبق الاستاذ سامح عاشور الذى فاز بدورة فى بداية التسعينات وكانت فرحتنا به كبيرة جدا لاننا كنا متحمسين له كشباب فى بداية حياته السياسية، فقد حصد اصوات الشباب فى طول المركز وعرضه، وكانت الاحتفالات بفوزه اسطورية، وأذكر اننا تركنا الدراسة فى اسيوط ونزلنا الى ساقلته للانضمام الى حملته الانتخابية كمتطوعين لندعو الناخبين الى انتخابه لاننا كنا نرى فيه النائب النموذج كما يجب أن يكون. فقد كان مفوها وخطيبا بليغا، وعنده ذكاء سياسي وسرعة بديهة. للاسف لم يهتم بالدائرة كثيرا بسبب انشغاله فى القاهرة وعدم تواجده كثيرا بين الناس فى المركز. لكن الذى كان قريبا من الجميع ويعرف كل عائلة فردا فردا ويمتلك ذاكرة حديدية كان النائب فاروق عاشور رحمه الله. حتى عندما خسر الانتخابات بعد عدة دورات من الفوز المتتالى، ظل كعادته قريبا من الناس خدوما ومحبا للجميع.
احيانا كانت العصبيات والعلاقات بين العائلات يكون لها تأثير اقوى من دعم الحزب الوطنى، فقد فاز النائب الاسبق المرحوم العمدة عبدالله صابر فى بداية التسعينات، مستغلا علاقات عائلته الطيبة بجميع عائلات مركز ساقلته، وساعده ايضا فى الفوز بساطته وطيبته واحترامه للكبير والصغير، فقد كان رجلا بسيطا وشيخ عرب بمعنى الكلمة. رايت سيارته قبل ان يصبح نائبا، فقد كانت بيجو ٥.٤ لم يغيرها بعد فوزه وظل رحمه الله حتى بعد خسارته للمقعد فى الدورة التالية بنفس شخصيته الجميلة المحبوبة من الجميع ومحل احترام وتقدير كل ابناء المركز.
ربما تختلف مع الحزب الوطنى ومع كل رموزه ومع كل توجهات قياداته قبل ٢٠١١، لكن لا أنكر انهم كانوا يختارون سخصيات ذات ثقل سياسي وعائلى ولا تشوبها شائبة. تغيرت هذه السياسة بعد ظهور احمد عز وطاقمه الذين اجهزوا على الحزب وعلى الحياة السياسية برمتها!.
جالت برأسي ذكريات كثيرة بعد ما حدث فى انتخابات ٢٠٢٥، وتمنيت ان يعود نظام الانتخابات كما كان سابقا، كل نائب يكون عن دائرة مركزه فقط، فذلك أدعى أن يعرف ناخبيه ويصل اليهم بتكلفة مادية للدعاية اقل كثيرا من الملايين التى تنفق حاليا ولا يستطيع ان يتحملها الا فئة معينة من رجال الاعمال بينما لن يقدر علي تكلفتها أي مرشح من الطبقة الوسطى سواء كان مستشار او ظابط شرطة او طبيب او استاذ جامعى او محامى حر. ان عدم تمثيل العمال والفلاحين، وعدم تمثيل الطبقة الوسطى التى هى ضمير الامة وقوتها الناعمة، واقتصار الترشح فى الفردى والقائمة على رجال المال والاعمال، سيكون خسارة كبيرة على كافة الأصعدة، وستحرم البرلمان من اصوات عاقلة ستفرمل شطحات وقلة خبرة العديد من حديثى العهد بالسياسة ممن فازوا بمقاعد القائمة فى هذا البرلمان.
للاسف تقسيم الدوائر وضم بعضها الى بعض عقد الموقف كثيرا بدون داعى، واعتقد انه تم على طريقة ودنك منين يا جحا!.
ان شاء الله ربنا يهيئ للرئيس السيسى من يهمس بأذنه لتصحيح هذا الوضع لصالح مصر واستقرارها سياسيا وبرلمانيا.







