لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتسلية أو التعبير الشخصي، بل أصبحت ساحة لصناعة الرأي العام وتوجيه الذوق الجمعي في المجتمعات.
وبين من يراها أداة للتحرر والتعبير، ومن يحملها مسؤولية تراجع الذوق واللغة والقيم، تظل السوشيال ميديا سلاحاً ذا حدين.
حول هذه الظاهرة وتأثيراتها الاجتماعية والثقافية، أجرينا هذا الحوار مع الأستاذة الدكتورة أسماء عرام، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة قنا، التي فتحت لنا آفاقاً فكرية عميقة حول الإعلام الرقمي، الذوق العام، ومسؤولية صناع المحتوى.
السوشيال ميديا مرآة المجتمع… لكنها أحياناً تكشف سطحه
▪ كيف أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الذوق العام خلال السنوات الأخيرة؟
ج: وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المرآة الأوضح لما يدور في المجتمع، فهي لم تعد فقط وسيلة للتعبير، بل أداة لتشكيل الوعي والسلوك والذوق، وخلال السنوات الأخيرة، وسعت المنصات من دوائر التأثير، فصار كل مستخدم مذيعا ومخرجا وصانعاً للرأي.
لكن هذا الانفتاح غير المنضبط جعل الذوق العام عرضة لمحتوى سريع وسطحي يغلب عليه الطابع الترفيهي والبحث عن الانتشار أكثر من القيمة والعمق.
بين الارتقاء والتراجع… الوعي هو الفارق
▪هل ساعدت السوشيال ميديا على الارتقاء بالوعي الثقافي أم أسهمت في تراجع الذوق العام؟
ج: كلا الاتجاهين حدثا في وقت واحد..
فمن ناحية، أتاحت المنصات فرصًا لنشر المعرفة والإبداع، وبرزت مبادرات شبابية ثقافية ملهمة، لكن في المقابل، غلب على المشهد محتوى قائم على “الترند” والجدل، مما ساهم في تراجع الذوق العام وانتشار السخرية والعنف اللفظي تحت شعار حرية التعبير.
صانع المحتوى… قدوة رقمية أم سبب في الانحدار.. إلى أي مدى يتحمل صناع المحتوى مسؤولية تدهور أو تحسين الذوق العام؟
ج: صناع المحتوى يتحملون جزءًا كبيرًا من المسؤولية، لأنهم قدوة رقمية لجمهور واسع، خاصة من الشباب.
فالمؤثر الذي يقدم محتوى راقياً يعزز القيم الإيجابية، بينما من يلهث وراء المشاهدات بأي ثمن يرسخ نمطًا سلوكيًا سطحياً.. واليوم، التأثير الأخلاقي والاجتماعي للمحتوى لا يقل خطورة عن التأثير الإعلامي التقليدي.
حرية التعبير لا تعني الإساءة.. كيف يمكن التفرقة بين حرية التعبير والإساءة للذوق العام؟
ج: حرية التعبير حق مكفول، لكنها لا تعني حرية الإهانة أو تجاوز القيم الإنسانية..
الفارق يكمن في نية المحتوى وسياقه وأثره:
إن كان الهدف نقداً بناءً أو توعيةً، فهي حرية تعبير، أما إذا كان الهدف السخرية أو الإهانة، فهي إساءة للذوق العام، وهنا تظهر أهمية “الأخلاق الرقمية” في توعية المستخدمين.
بين القانون والوعي… التهذيب يبدأ من الداخل.. هل نحتاج إلى ضوابط تشريعية أو أخلاقية تنظم المحتوى على المنصات؟
ج: نعم، فالقوانين ضرورية لحماية المجتمع من خطاب الكراهية والابتذال، لكنها ليست كافية.
فالقانون يضع حدوداً، أما التهذيب الحقيقي فيبدأ من الأسرة والمدرسة والإعلام، عبر الوعي الذاتي والمسؤولية الأخلاقية.
الإعلام المهني… حصن الذوق العام.. ما دور الإعلام المهني في مواجهة الإسفاف والابتذال الرقمي؟
ج: الإعلام المهني هو خط الدفاع الأول عن الذوق العام، وعليه أن يقدم البديل الراقي، ويعزز معايير الجودة، ويكشف خلفيات المحتوى المبتذل دون تضخيمه، كما يجب أن يتبنى الإعلام حملات توعية حول “المسؤولية الرقمية” ويبرز صناع المحتوى الهادفين.
إعداد جيل رقمي مسؤول يبدأ من الجامعة.. كيف يمكن للجامعات وكليات الإعلام إعداد جيل يحافظ على الذوق العام؟
ج: عبر إدخال مقررات “التربية الإعلامية الرقمية” وتدريب الطلاب على إنتاج محتوى مسؤول يوازن بين الحرية والقيم.
يجب أيضًا ربط الدراسة بالمنصات الواقعية وتشجيعهم على إطلاق حملات توعوية رقمية تعزز الذوق العام.
التعليم والثقافة… رافعة الذوق.. هل هناك علاقة بين التعليم ونوعية المحتوى الذي يتفاعل معه الجمهور؟
ج: نعم، العلاقة طردية وواضحة.
فكلما ارتفع مستوى التعليم والثقافة، زاد ميل الجمهور للمحتوى الجاد، والعكس صحيح.
رفع الوعي الثقافي هو الطريق غير المباشر لرفع الذوق العام.
الأسرة والمدرسة… حجر الأساس في بناء الذوق.. ما دور الأسرة والمدرسة في غرس الوعي الإعلامي؟
ج: الأسرة والمدرسة هما الأساس في بناء الذوق الرفيع، وعندما يتعلم الطفل منذ الصغر معنى الاحترام والذوق في الحديث والسلوك، سينعكس ذلك على تفاعله الرقمي، لذا يجب أن نعلم أبناءنا الاستخدام الواعي للميديا وكيفية التمييز بين الجيد والرديء في المحتوى.
الذكاء الاصطناعي… بين الارتقاء والفوضى الرقمية.. ما رؤيتك لمستقبل الذوق العام في ظل الذكاء الاصطناعي؟
ج: المستقبل يحمل تحديًا كبيراً.. فالذكاء الاصطناعي سيضاعف المحتوى وسرعة انتشاره، مما قد يزيد فوضى الذوق إن لم يُستخدم بوعي، لكن يمكن توظيفه لصالح الوعي من خلال أنظمة ترشيح ذكية ومحتوى ثقافي جذاب بصرياً.
ويبقى السؤال: من يقود التكنولوجيا؟ الإنسان الواعي أم المستهلك العابر؟
السوشيال ميديا والإعلام التقليدي… تكامل لا صراع.. كيف ترين دور السوشيال ميديا اليوم في توجيه الرأي العام مقارنة بالإعلام التقليدي؟
ج: السوشيال ميديا تجاوزت الإعلام التقليدي في السرعة والتأثير اللحظي، لكنها تفتقر إلى المهنية.
- الإعلام التقليدي يظل أكثر مصداقية وإن كان أبطأ.
- اليوم نعيش مرحلة تكامل: السوشيال ميديا تكشف، والإعلام يصحح، والمجتمع يراقب.

وسائل التواصل الاجتماعي
“الترند” أصبح جرس إنذار للمسؤولين.. ما تقييمك لتفاعل المسؤولين مع حادث مسنّ الإسماعيلية بعد انتشاره رقميا؟
ج: التفاعل السريع يعكس وعيًا بقوة الرأي العام الرقمي، والمنصات أصبحت جرس إنذار يجبر المسؤولين على التحرك، لكن علينا الحذر من أن يتحول “الترند” إلى محكمة شعبية دون تحقق أو وعي.
الرقابة الشعبية… بين الوعي والفوضى..هل يمكن اعتبار مواقع التواصل شكلًا من الرقابة الشعبية؟
ج: نعم، لكنها رقابة غير منظمة.
قد تكون أداة ضغط إيجابية حين تُستخدم للمطالبة بالحق، لكنها تتحول إلى فوضى رقمية إن غاب الوعي أو انتشرت الشائعات.
الوعي الجمعي هو ما يجعل الرقابة قوة بناء لا أداة تدمير.
الأخبار الزائفة… وقود الغضب الجماهيري.. ما خطورة انتشار الأخبار المضللة أثناء موجات الغضب؟
ج: الخطر الأكبر أنها تُشعل الغضب وتفقد الثقة بالمؤسسات، والعنوان المضلل في لحظة انفعال قد يشعل فتنة أو يغير اتجاه الرأي العام.
لذلك يجب تعزيز مهارات التحقق الرقمي لدى الجمهور، مع سرعة تصحيح المعلومات من قبل الصحفيين.
الصحفي المعاصر… بين السبق والصدق.. ما الأدوات التي يجب أن يمتلكها الصحفي اليوم في بيئة رقمية متسارعة؟
ج: الصحفي المعاصر يجب أن يمتلك:
- مهارة التحقق قبل النشر.
- القدرة على التحليل البصري للمحتوى المنتشر.
- فهم خوارزميات المنصات.
- إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي في التحرير.
- والأهم: ضمير مهني ووعي مجتمعي يوازن بين السبق والصدق.

تؤكد الدكتورة أسماء عرام أن معركة الذوق العام ليست معركة قانون أو تقنية، بل معركة وعي وثقافة وتربية.
فالسوشيال ميديا لن تفسد الذوق العام إن وُجد وعي عام يحصّن المجتمع، ويعيد للإعلام رسالته الأخلاقية والإنسانية.







