كتبَ: خالد داود
في عمق التاريخ حيث تتقاطع الأسطورة بالحقيقة ، تقف حكاية عابورة شاهدةً على أمة ولدت من رماد المعارك وذاقت المجد والسبي في آنٍ واحد إنها قصةٌ بدأت بمقلاع فتى صغير أنهى أسطورة جبارٍ عظيم وانتهت بأغلالٍ بابليةٍ وسخرةٍ في أرض مصر.
مدينة عابورة… البذرة الأولى
كانت عابورة مدينة صغيرة ورد ذكرها في النقوش الفرعونية منذ عهد الملك رمسيس الثاني ، نشأت في قلب بلاد الشام على مقربة من قوم أشداء يُعرفون باسم العماليق أو الفالستيين الذين بسطوا سلطانهم على السواحل الخصبة وأقاموا فيها ممالكهم الحربي.
لم يكن موقع عابورة رحمةً لأهلها، فقد جعلها جيرانها هدفاً دائماً فنظر الفالستيون إليهم باعتبارهم غرباء لا ينتمون إلى الأرض واختلفت لغتهم ولهجاتهم فتراكمت الشكوك حتى تحولت إلى اضطهادٍ معلن وفرضٍ للجزية ومنعٍ للماء والزرع.
مملكةٌ تولد من التحدي
ضاق أهل عابورة بما يعانونه من القهر فقرروا تحويل مدينتهم الصغيرة إلى مملكة مستقلة تحمي كرامتهم وتجمع شتاتهم لكن إعلان الاستقلال كان بمثابة إعلان الحرب.
هبّ ملوك الفالستة على الفور لإخماد هذا التمرد وجيّشوا الجيوش لطرد العابوريين، بينما على عرش المدينة جلس ملكٌ شاب شجاع اسمه طالوت كان يعلم أن المعركة غير متكافئة لكنه آمن بأن الشجاعة قد تصنع ما تعجز عنه الجيوش.
الفتى والمقلاع… لحظة المجد الخالدة
في سهلٍ فسيح التقى الجيشان وعلى رأس جيش الفالستة وقف القائد الأسطوري جالوت رجلٌ ضخم الجثة مرهوب الجانب
وبين صفوف طالوت ظهر فتى صغير قصير القامة عيناه زرقاوان يحمل مقلاعاً يدعى داود تحدى جالوت متحدياً قدره وضحك الجمع ساخرين من جرأته ، غير أن لحظة واحدة كانت كافية لتبديل التاريخ.
فبضربةٍ واحدةٍ من المقلاع أصاب الفتى خصمه في مقتل فصرع العملاق وسقطت هيبة الفالستة بينما علت رايات النصر في مملكة صغيرة كتبت اسمها في ذاكرة الشعوب.
لقد أصبح ذلك اليوم رمزًا لانتصار الضعف على القوة، وخلّد التاريخ اسم الفتى الذي غلب بالمقلاع مملكة العماليق.
من نصر المقلاع إلى سبي بابل
لكن المجد لا يدوم طويلاً فما لبثت عابورة أن وجدت نفسها في وجه طوفان جديد قادمٍ من الشرق حيث كانت بابل في أوج قوتها تحت حكم الملك الجبار بختنصر ، قاد بختنصر جيوشاً لا تُقهر اجتاحت الممالك الصغيرة كالإعصار فهدمت الأسوار وأحرقت القصور وسبت الشعوب وحين وصلت جيوشه إلى عابورة لم تصمد طويلاً أمام القوة البابلية الطاغية ، سُبيت المدينة وأُخذ أهلها أسرى واقتيدوا إلى بلاد الرافدين وهناك بدأ فصلٌ جديد من الذلّ والتيه.
رحلة الهرب والبحث عن وطن
هربت بقايا العابوريين من بطش بابل وتفرقوا في الصحارى حتى التقت جموعهم بقبائل كنعانية كانت تترحل نحو الغرب بحثاً عن أرضٍ أكثر خصباً وأمناً ، ساروا معاً عبر الصحراء حتى وصلوا إلى وادي النيل حيث وجدوا مصر غنيةً بالنيل عامرةً بالحياة لكن الأمن الذي حلموا به سرعان ما تبخر حين صعد نجم الهكسوس ملوك من أصل كنعاني أسسوا مملكةً قوية في الدلتا.
العبرانيون… من عبورٍ إلى عبودية
استقبل الهكسوس العابوريين أول الأمر كلاجئين ثم ما لبثوا أن سخّروهم في الأعمال الشاقة ومنذ ذلك الحين صار يُعرف أولئك الناجون باسم العبرانيين – من العبور، أي الذين عبروا من أرضٍ إلى أخرى ومن نكبةٍ إلى نكبة كانت قصتهم رحلة دائمة بين التيه والاستعباد بين وعود الخلاص وأغلال القهر ، عاشوا في أطراف القرى يعملون تحت سياط الجند ، يزرعون الأرض التي لا يملكونها وينتظرون وعداً غامضاً بعودةٍ إلى وطن مفقود.
الغرباء: من رماد المقلاع إلى مرارة السبي
وهكذا دارت عجلة التاريخ: من مجد المقلاع الذي أسقط جالوت إلى سبي بابل الذي أطفأ نور المملكة ثم إلى سخرة الهكسوس التي ختمت فصول المأساة إنها قصةُ أمةٍ بدأت بالحلم وانتهت بالتيه تذكّرنا بأن القوة لا تصنع المجد وحدها وأن العدل والاستقامة هما وحدهما ما يصون الأمم من السقوط ، فما بين فتىٍ صغيرٍ يواجه عملاقًا وشعبٍ يُسبى في بابل ، تختصر حكاية عابورة مأساة الإنسان منذ فجر التاريخ: ينتصر حين يؤمن ويُهزم حين ينسى العدل حتى يصيروا عبرة لكل الأمم.








