لم يعد الجدل حول مشروع قانون الأحوال الشخصية في مصر مجرد خلاف قانوني حول مادة أو صياغة، بل أصبح في جوهره خلافاً أعمق بكثير يتعلق بشكل الأسرة التي يريدها المجتمع، وحدود تدخل الدولة داخل العلاقات الأسرية، وطبيعة التوازن بين أحكام الشريعة ومتطلبات الواقع الاجتماعي المتغير.
ولهذا تحديداً يبدو النقاش دائماً وكأنه يدور في دائرة مغلقة.
ففي كل مرة ينشغل الجميع بتفاصيل مثل سن الحضانة، أو الطلاق الشفهي، أو حق الرؤية، بينما يبقى السؤال الأهم غائباً: ما الفلسفة التي يقوم عليها هذا القانون أصلاً؟ وما التصور الذي يحاول أن يقدمه للأسرة والعلاقة بين أطرافها؟
هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو أصل الأزمة كلها. لأن أي قانون لا يُبنى فقط على النصوص، وإنما على رؤية متكاملة تُحدد اتجاه هذه النصوص ومنطقها.
ومن هنا تبدو المشكلة الحقيقية في مشروع القانون الحالي: أنه يناقش التفاصيل قبل حسم المبادئ الكبرى التي يفترض أن تحكمها.
تشريعات متراكمة بلا فلسفة جامعة
منذ صدور قانون الأحوال الشخصية رقم 25 لسنة 1929، والتعديلات المتعاقبة عليه، وصولاً إلى القانون رقم 1 لسنة 2000، ظل التشريع المصري في هذا الملف يتحرك بمنطق رد الفعل أكثر من كونه مشروعاً متكاملاً له فلسفة واضحة.
كل تعديل جاء استجابة لضغط اجتماعي أو ديني أو سياسي في لحظة معينة، دون أن تُبنى منظومة تشريعية متماسكة يمكن أن تشكل مرجعية مستقرة للأسرة المصرية. ولهذا تراكمت النصوص أحياناً بصورة تبدو متناقضة، وازدادت معها حالة الجدل داخل المجتمع والمحاكم معاً.
والواقع العملي داخل محاكم الأسرة يكشف أن الأزمة لم تعد قانونية فقط، بل أصبحت أزمة اجتماعية وإنسانية أيضاً. رجال يشعرون أحياناً بأن القانون يتعامل معهم باعتبارهم الطرف الأضعف أو المتهم دائماً، ونساء يشعرن أن الحصول على الحقوق يحتاج سنوات من التقاضي والاستنزاف، بينما يتحول الأطفال في كثير من الحالات إلى أدوات للصراع بين الطرفين.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل الهدف من القانون تنظيم الأسرة وحمايتها؟ أم إدارة النزاعات بعد انهيارها؟
هذا السؤال وحده كفيل بتغيير طريقة النظر إلى معظم مواد المشروع.
الحضانة… مثال يكشف جوهر الأزمة
ولعل أزمة الحضانة مثال واضح على ذلك. فالنقاش الدائر عادة يتركز حول رقم السن: هل تستمر الحضانة حتى الخامسة عشرة أم تنتهي قبل ذلك؟ لكن الخلاف الحقيقي ليس حول الرقم، بل حول الفلسفة نفسها.
هل الحضانة حق للأم؟ أم حق للأب؟ أم أنها في الأصل حق للطفل نفسه تُدار بما يحقق مصلحته الفضلى؟
إذا كانت مصلحة الطفل هي الأساس، فإن كثيراً من التفاصيل ستُعاد صياغتها تلقائياً، ليس فقط في الحضانة، بل أيضاً في الرؤية والاستضافة والولاية التعليمية والسفر وغير ذلك. أما إذا ظل النقاش قائماً فقط على فكرة “توازن الحقوق” بين الأب والأم، فسيبقى الطفل في النهاية مجرد طرف ثانوي داخل المعادلة.
المشكلة إذن ليست في الأرقام، بل في المرجعية التي تنتج هذه الأرقام.
تناقضات تكشف ارتباك المشروع
في الحقيقة، يكشف المشروع الحالي عن عدد من التناقضات التي تعكس غياب هذه المرجعية بوضوح.
تناقض الحضانة والولاية
من ناحية، هناك توسع نسبي في بعض حقوق الأم المرتبطة بالحضانة، لكن في المقابل يظل نظام الولاية قائماً على تصور تقليدي يمنح الأب سلطة شبه مطلقة في مسائل أخرى. وهو ما يجعل الطفل عملياً خاضعاً لفلسفتين مختلفتين في الوقت نفسه.
تناقض الطلاق والشراكة
ومن ناحية أخرى، يتحدث المشروع أحياناً عن العلاقة الزوجية باعتبارها شراكة متوازنة في الحقوق والالتزامات المالية، لكنه يعود عند الطلاق إلى تصور مختلف يمنح أحد الطرفين سلطة الانفراد بإنهاء العلاقة. وهنا يظهر التناقض بوضوح بين مفهوم الشراكة ومفهوم الهيمنة داخل العلاقة ذاتها.
تناقض دور القاضي
كذلك تبدو فلسفة دور القاضي غير محسومة. ففي بعض المواد تُمنح المحكمة سلطة تقديرية واسعة، بينما تُقيد في مواد أخرى بقيود جامدة لا تسمح بمراعاة ظروف كل حالة. وهو ما يطرح سؤالاً مهماً: هل المطلوب من القاضي مجرد التطبيق الحرفي للنص، أم تحقيق العدالة الأسرية وفقاً لظروف الواقع؟
ماذا تقول التجارب المقارنة؟
التجارب المقارنة في بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة تكشف أهمية حسم هذه الأسئلة قبل الدخول في التفاصيل. فالمغرب، على سبيل المثال، حين أصدر مدونة الأسرة عام 2004، بدأ أولاً بتحديد فلسفة واضحة للعلاقة الأسرية تقوم على المسؤولية المشتركة والحقوق المتبادلة. وقد منح ذلك القضاء والمجتمع مرجعية أكثر وضوحاً في تفسير النصوص.
وقد يختلف البعض مع تجارب أخرى مثل تونس أو تركيا، لكن ما لا يمكن إنكاره أن تلك الدول حسمت اختياراتها التشريعية بوضوح، بينما لا يزال النقاش المصري يتحرك بين اتجاهات متعددة دون إعلان صريح عن المرجعية الحاكمة للقانون.
ما الذي يحتاجه المشروع فعلاً؟
لهذا يبدو من الضروري أن يسبق التصويت على مشروع القانون نقاش جاد حول فلسفته التشريعية، وربما إصدار وثيقة أو ميثاق يحدد المبادئ العامة التي يقوم عليها القانون، والأسئلة الكبرى التي يسعى للإجابة عنها.
ليس المطلوب فرض رؤية واحدة على الجميع، وإنما خلق إطار واضح يجعل النقاش حول المواد التفصيلية أكثر اتساقاً وإنتاجية.
ومن بين الأسئلة التي يجب حسمها بوضوح:
ما طبيعة الزواج قانونياً؟
ما نموذج الأسرة الذي يسعى القانون لحمايته؟
ما حدود تدخل الدولة والقضاء داخل العلاقة الأسرية؟
هل “مصلحة الطفل الفضلى” معيار مُلزم أم مجرد مبدأ إرشادي؟
كيف تُفهم العلاقة بين المقاصد الشرعية والتفاصيل الفقهية التقليدية؟
لأن قانون الأحوال الشخصية ليس مجرد قانون مدني عادي، بل هو قانون يمس شكل المجتمع نفسه، ويعكس تصور الدولة للعلاقة بين الرجل والمرأة والطفل والأسرة.
الخطر الحقيقي: قانون بلا مشروعية مجتمعية
التشريع الذي يصدر دون فلسفة واضحة يظل معرضاً دائماً للتأويل المتناقض، والصدام المجتمعي، والجدل القضائي المستمر.
فالقوانين لا تكتسب مشروعيتها فقط من التصويت عليها داخل البرلمان، بل من قدرتها على إقناع المجتمع بعدالتها ومنطقها واتساقها.
وحين تغيب المرجعية الواضحة، تتسع مساحة الاجتهاد القضائي لسد الفراغ التشريعي، وتتحول المحاكم عملياً إلى جهة تضع الفلسفة التي عجز المشرّع عن تحديدها.
كما أن غياب المنطق الجامع للقانون يضعف الامتثال المجتمعي له، لأن الناس لا يشعرون بأن النصوص تنتمي إلى تصور عادل ومستقر يمكن فهمه والتنبؤ بنتائجه.
قبل التصويت… نحتاج إلى حسم الأسئلة الكبرى
أفضل خدمة يمكن أن يقدمها البرلمان المصري للأسرة المصرية ليست التعجيل بالتصويت، بل إدارة نقاش حقيقي حول الفلسفة التشريعية للقانون.
نقاش تشارك فيه المؤسسات الدينية، والقانونيون، وعلماء الاجتماع والنفس، ومنظمات المجتمع المدني، والقضاة، والأسر ذاتها.
لأن قانون الأحوال الشخصية ليس مجرد مجموعة مواد قانونية، بل وثيقة تعكس كيف يرى المجتمع نفسه: كيف يرى المرأة والرجل؟ كيف يفهم السلطة داخل الأسرة؟ كيف يحمي الطفل؟ وكيف يوازن بين الدين والواقع والعدالة؟
هذه الأسئلة لا يجوز أن تُترك معلقة بين مواد متفرقة وصياغات مرتبكة.
فأخطر القوانين ليست فقط القوانين الظالمة، بل أيضاً القوانين التي لا تعرف بوضوح لماذا وُلدت، وإلى أي مجتمع تريد أن تصل.
ولهذا، حين يسبق الجدلُ الفلسفةَ… يفشل التشريع.
بقلم / محمد هلال
عضو مجلس نقابة المحامين – جنوب الجيزة
وعضو الهيئة العليا بـ الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي







