بقلم: محمد علي
في زمنٍ تحكمه السرعة، لم يعد الخبر ينتظر التحقق، ولا الفكرة تحتاج إلى نضج، بل يكفي أن تصبح “ترند” حتى تكتسب شرعية زائفة، وتتحول إلى سلوك يُقلَّد بلا وعي. وبينما يتسابق المستخدمون على حصد الإعجابات والمشاهدات، يدفع البعض الثمن من حياتهم، في مشهدٍ بات يتكرر بصورة مقلقة.
خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت حوادث الانتحار المرتبطة بشكل غير مباشر بموجات الترند على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يجد البعض أنفسهم في مقارنة مستمرة مع صور مثالية زائفة، أو تحت ضغط نفسي هائل لتحقيق حضور رقمي يساوي في نظرهم قيمتهم الحقيقية. هذا الضغط، خاصة لدى فئة الشباب، يتحول أحيانًا إلى شعور بالعجز، ثم إلى عزلة، وقد ينتهي بكارثة.
الخطورة لا تكمن فقط في المحتوى، بل في طريقة استقباله. فحين يصبح الترند هو “المعيار”، تتراجع القيم الحقيقية، ويُهمَّش العقل النقدي. ينتشر تقليد أعمى لتحديات خطرة، أو سلوكيات غير مسؤولة، فقط لأنها تحظى بالانتشار. وهنا يتحول المستخدم من متلقٍ واعٍ إلى تابع بلا إدراك.
الأمر لا يتعلق بإدانة وسائل التواصل بقدر ما يتعلق بغياب “الوعي الرقمي”. فهذه المنصات، رغم ما تحمله من فرص، أصبحت ساحة مفتوحة لتضخيم المشاعر، سواء كانت فرحًا زائفًا أو ألمًا حقيقيًا. وفي غياب التوازن، قد يجد الفرد نفسه غارقًا في دوامة لا يرى منها مخرجًا.
المطلوب اليوم ليس الابتعاد عن العالم الرقمي، بل إعادة تعريف العلاقة معه. أن ندرك أن ما نراه ليس الحقيقة الكاملة، وأن “الترند” ليس مقياسًا للقيمة، وأن الحياة خارج الشاشة أكثر عمقًا وأهمية.
كما تقع مسؤولية كبيرة على الأسرة، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، في تعزيز ثقافة الوعي، وفتح مساحات للحوار، وتقديم الدعم النفسي لمن يحتاجه، قبل أن يتحول الصمت إلى مأساة.
في النهاية، قد يكون أخطر ما في “الترند” ليس ما يُنشر، بل ما يُخفيه من ضغوط نفسية غير مرئية. وبين ضجيج الإعجابات، قد تضيع أصواتٌ تحتاج فقط لمن يسمعها.







