في اللحظة التي بدأ فيها الحديث عن وقف إطلاق النار، ومع عودة الحركة في مضيق هرمز، ومع التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، لا يكون هناك ما يمكن الحكم عليه بعد، ولا ما يكفي للقول إن الأمور بدأت تتغير فعلًا، فكل شيء ما زال في بدايته، أو ربما لم يبدأ بعد.
لكن هذه اللحظة لا تمر على الناس كخبر عادي، لأنها لا تُستقبل بما يحدث فيها، بل بما سبقها، وبما تركته من أثر لم يتضح مصيره بعد.
عندما اندلعت الأزمة، لم تستغرق القرارات وقتًا طويلًا، إجراءات استثنائية تم اتخاذها وتنفيذها بسرعة واضحة، ووصل أثرها إلى الناس فورًا، في الأسعار، وفي تفاصيل الحياة اليومية، وبشكل تجاوز ما كان يُتوقع، خاصة أنها جاءت بعد حديث متكرر عن مرحلة قريبة من التحسن، وكأن الاتجاه تغيّر فجأة دون مقدمات كافية.
أما الآن، وفي هذه اللحظة المبكرة جدًا من التهدئة، لا توجد إجابات، ولا حتى إشارات يمكن البناء عليها، لا أحد يعرف إن كانت هذه الإجراءات التي قيل إنها مرتبطة بظرف استثنائي ستتوقف، أو متى يمكن أن يحدث ذلك، ولا إن كان ما حدث في الأسواق يمكن احتواؤه أو السيطرة عليه في وقت قريب.
وهنا لا يكون السؤال مرتبطًا بما يحدث بين الدول، بل بما حدث داخل حياة الناس، لأن التجربة القريبة تقول إن ما يأتي سريعًا عليهم… لا يغادر بنفس السرعة، وأن أثر القرارات يكون مباشرًا وواضحًا، بينما مصيرها يظل مفتوحًا، بلا توقيت محدد.
في هذه اللحظة، لا يبحث المواطن عن تحليل لما جرى، بل عن فهم لما يمكن أن يحدث له هو، هل ما تغير كان مؤقتًا بالفعل؟ أم أنه أصبح واقعًا مستمرًا؟ وهل يمكن أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، أم أن ما انفتح مرة… لا يعود كما كان؟
المشكلة هنا ليست في صعوبة الواقع فقط، بل في غياب القدرة على توقعه، لأن الإنسان يمكنه أن يتحمّل، لكنه يحتاج إلى حد أدنى من الوضوح ليعرف كيف يتحرك، وكيف يخطط، وكيف يفهم ما يمر به.
ومع تكرار هذا النمط، لا يعود غياب اليقين حالة مؤقتة، بل يتحول إلى طريقة تعامل مع كل جديد، فيتراجع الإحساس بأي وعد، ويتحول الحديث عن التحسن إلى احتمال غير قابل للبناء عليه.
لهذا، لا تعني هذه الساعات الأولى من التهدئة أن شيئًا قد تغيّر بالفعل، لكنها تكشف شيئًا آخر أكثر عمقًا، أن ما يحتاجه الناس ليس فقط نهاية الأزمات، بل القدرة على فهم ما بعدها، وأن يشعروا أن هناك مسارًا يمكن تتبعه، لا مجرد قرارات تُتخذ، ثم تُترك آثارها مفتوحة بلا تفسير كافٍ.
لأن ما يحتاجه المواطن في النهاية ليس فقط أن تتحسن الظروف، بل أن يفهم كيف يمكن أن تتحسن، ومتى، وعلى أي أساس، وأن يشعر أن ما يُقال له عن المستقبل ليس مجرد احتمال، بل مسار يمكن تتبعه.
في هذه النقطة تحديدًا، لا يصبح اليقين رفاهية، ولا مطلبًا نظريًا، بل يتحول إلى جزء أساسي من العلاقة بين الناس وما يُدار باسمهم، علاقة لا تقوم فقط على اتخاذ القرار، بل على القدرة على جعله مفهومًا، وقابلًا للتصديق، ومتصلاً بحياة من سيتأثرون به.
وربما لهذا، لا يكون السؤال الآن: هل انتهت الأزمة؟
بل: هل يمكن أن يبدأ بعدها شيء واضح… يمكن الاعتماد عليه؟







