
بقلم: محمد علي
بينما كانت الرفي مشهد سريالي يعيد صياغة مفاهيم الحروب الكبرى في القرن الحادي والعشرين، يبرز مصطلح الانتصار الرقمي كأداة حسم لا تقل ضراوة عن الصواريخ العابرة للقارات، حيث شهدت الأيام الأخيرة تحركات مريبة للطائرات المسيرة في سماء المنطقة، في وقت كان فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشن هجوماً من نوع آخر تماماً، وهو هجوم يعتمد بالأساس على تسييل الحرب وتحويلها إلى مادة دعائية مكثفة تهدف لكسر إرادة الخصم قبل تدمير ترسانته العسكرية على الأرض.
ولم يعد الرهان في واشنطن يقتصر على المواجهة المباشرة التي قد تكلف الخزانة الأمريكية مبالغ طائلة، بل بدأت إدارة ترامب في الترويج لما بات يعرف بخطة العصور الوسطى، وهي إستراتيجية تعتمد على عزل الخصم تكنولوجياً ولوجستياً من خلال استهداف البنى التحتية الحيوية مثل الجسور وشبكات الطاقة والاتصالات، حيث يسعى ترامب من خلال هذه الخطة إلى إثبات أن تحقيق الانتصار الرقمي والسيطرة المطلقة على الرواية الإعلامية يمكن أن يحققا نتائج استراتيجية تفوق ما تحققه الأساطيل البحرية في عرض البحار.
وتشير التقارير المسربة حول انهيار جسور رئيسية في العمق الإيراني، والطريقة التي تم بها تسويق هذه الأحداث في وسائل الإعلام العالمية، إلى رغبة واشنطن الأكيدة في تصوير الدولة الإيرانية ككيان هش تكنولوجياً أمام القوة الأمريكية، وهنا لا يصبح الهدف هو الهدم المادي للجسر فحسب، بل إن الهدف الحقيقي هو تصدير صورة الانهيار التي تُبث للعالم أجمع لتأكيد التفوق والسيادة، وهو ما يصب مباشرة في مصلحة الرواية التي تدعم الانتصار الرقمي الأمريكي المنشود.
ويرى محللون سياسيون أن لجوء ترامب لتعزيز هذا المفهوم يأتي مدفوعاً بضغوط داخلية هائلة، خاصة مع الارتفاع الملحوظ في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة والقلق الشعبي المتزايد من التورط في صراعات أبدية جديدة، مما جعل الإدارة الأمريكية تبحث عن نصر نظيف وقليل التكلفة البشرية لتقديمه للجمهور كإنجاز تاريخي، حيث تعتمد هذه الإستراتيجية على التعتيم المعلوماتي الممنهج وفرض رقابة شديدة على حجم الخسائر الفعلية مع تقديم رواية أحادية الجانب للانتصارات المحققة، بالإضافة إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي للسخرية من قدرات الخصم العسكرية وتقزيم حجم ردود فعله، مما يحقق نتائج مذهلة في بورصات المال قبل ساحات القتال.
وعلى الجانب الآخر، تدرك طهران تماماً أن المعركة الحقيقية اليوم تدور على شاشات الهواتف الذكية وليس فقط في ميادين المواجهة، ولذلك أطلقت كتائب إلكترونية هجومية تحاول تقويض ما يروج له ترامب حول الانتصار الرقمي الأمريكي عبر تسريب فيديوهات وتصريحات تشكك في الرواية الرسمية للبيت الأبيض، وهذا النوع من التشويش المعلوماتي يهدف بالأساس إلى خلق حالة من الشك لدى المواطن العالمي، مما يجعل الحقيقة هي الضحية الأولى في صراع الدعاية المستمر، كما لا يمكن فصل هذا الضجيج الإعلامي عن لغة الأرقام الصارمة في الاقتصاد، فكل بيان رسمي يتبعه مباشرة تذبذب حاد في أسواق الأسهم العالمية، وبينما يتحدث ترامب عن نجاحاته في خنق طهران، تظل أزمة الوقود في الداخل الأمريكي هي العائق الأكبر الذي تحاول إيران الضغط عليه لإفساد الرواية الأمريكية برمتها.
إننا نعيش عصراً لم تعد فيه الحرب تُحسم في خنادق القتال التقليدية فقط، بل أصبح سعي ترامب لتحقيق الانتصار الرقمي هو محاولة جادة لفرض واقع جيوسياسي جديد، تكون فيه الكلمة العليا للبيان الصحفي والمحتوى الفيروسي قبل المسيرة والبارجة الحربية، ولكن يبقى السؤال المفتوح للجميع حول ما إذا كانت الدعاية قادرة حقاً على إخفاء أنين الجبهة الداخلية أو منع تداعيات انفجار ميداني وشيك في منطقة مشتعلة بالأحداث، وهل تعتقد عزيزي القارئ أن السيطرة على التريند والبيانات أصبحت فعلياً هي السلاح الأقوى في الوقت الراهن؟







