يُعتبر فجر العاشر من رمضان فجراً مميزاً عند الشعب المصري، الذي ما زال ينتظره ويتشوّق إليه من كل عام، للاستماع إلى الترتيل الأقرب إلى قلوبهم، خاصة قوله تعالى:
“وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ، وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ”.
فما زال انتصار أكتوبر المجيد لحناً خالداً يرسل أنغامه في سمع الزمان، ليردد الناس على وقعه نشيد البذل والتضحية والفداء والنصر.
كما أن الحديث عن نصر العاشر من رمضان لا تستطيعه الكلمات والعبارات، فاللسان يعجز عن أن يأخذ بنواصي الكلمات التي يستطيع من خلالها استدعاء كل صور الانتصارات الكثيرة ومعاني البطولة العظيمة التي ظهرت في العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر. بل إن الحديث عن هذا النصر تقصر دونه الأقلام؛ فنصر العاشر من رمضان معنى من المعاني الإنسانية الرحبة التي تتجاوز حدود القول وترتفع على مستوى الأساليب. هو مثلٌ أعلى، والمُثُل العليا من شأنها أن يُحلّق الناس في فلكها ولا يستطيعون الاقتراب منها. هو منبع فياض بالخير والعطاء، وسنظل نرنو إلى مورده بالشوق واللهفة. هو حياة جديدة، ولحن خالد يرسل أنغامه في سمع الزمان ليردد الناس على وقعه نشيد البذل والتضحية والفداء والنصر.
إن نصر العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر، كان فتحاً جديداً لواقع جديد، وكان لصيحة “الله أكبر” دويٌّ زلزل حصون الباطل، وكان لسلطان هذه الكلمة النورانية “الله أكبر” قوة عظيمة؛ فدخل جنودنا تحت شعار “الله أكبر”، وجعلوا أنفسهم في معية الله.
قرآن فجر العاشر من رمضان ورؤيا الرسول
لا شيء في شوارع القاهرة فجر هذا اليوم كان يشير إلى أي تغيير أو حدث يقوم به أبطال القوات المسلحة، وكانت مدينة المنصورة تستعد لإحياء ذكرى حرب الصليبيين، ولم يكن يدري أهلها أن أعنف معارك الجو الحربية ستجري فوق سمائها بعد ساعات.
أما في صفوف الشعب، فإن وقوع حرب ضد إسرائيل كان شيئاً مستحيلاً نتيجة ما يظهر من القيادة السياسية والإعلامية، متمثلة في الرئيس السادات وقراراته، بسبب حالة اللاسلم واللاحرب. ولم يكن يدري غالبيتهم أن هذا الحال كان جزءاً من خطة الخداع الاستراتيجي.
الشيخ محمد أحمد شبيب
عبر مذياع ما قبل الفجر يوم 10 رمضان سنة 1393هـ، الموافق 6 أكتوبر سنة 1973م، كان صوت الشيخ محمد أحمد شبيب يشق الظلام من خلال ميكروفونات مآذن مسجد الإمام الحسين، حيث بدأ تلاوته من منتصف الآية 154 من سورة آل عمران.
بدأ القارئ الشاب محمد أحمد شبيب تلاوته بقول الله تعالى: “قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ”، وانجذب المستمعون للأداء حتى أنشدوا حين قرأ الشيخ قول الله تعالى:
“وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ، وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ”.
ربما لم يكن يدري القارئ محمد أحمد شبيب أن ما قرأه، بالاتفاق مع عبد العزيز محمد عيسى “وزير شؤون الأزهر”، كان بتوجيه من الشيخ عبد الحليم محمود “شيخ الأزهر”، وبالتنسيق مع هيئة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، حيث كانت هذه التلاوة بشارة النصر. خاصة وأنه لم يكن يدري أحد في مصر، غير قادة جيشها، موعد الحرب، باستثناء الشيخ عبد الحليم محمود، الذي رأى في المنام رسول الله يبشره بالحرب.
وكان يستمع لهذه التلاوة 300 ألف جندي غرب القناة، تم حشدهم بمعداتهم وأسلحتهم في مشروع حرب تم تدريبهم عليه مراراً من قبل. كانوا جميعاً ينظرون صوب الشرق متأهبين لساعة الحسم، ينتظرونها في كل لحظة.
وبعد عدة ساعات بدأت الحرب بهجوم مفاجئ من قبل الجيش المصري والجيش السوري على القوات الإسرائيلية في سيناء وهضبة الجولان، وساهم في الحرب بعض الدول العربية، سواء عسكرياً أو اقتصادياً.
وكان صوت الشيخ شبيب يرن في آذانهم بما قرأه من آيات الفجر، فتنطلق الحناجر الهادرة تزلزل الأرض بـ”الله أكبر”… حتى تحقق النصر، وتحقق وعد الله:
“قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ”.
وكما كان الدفاع عن أرض مصر واجباً مقدساً استشهد من أجله الآلاف، فإن الدفاع عن مياه مصر لا يقل قدسية، فهي ميراث الماضي وأصل الحاضر وحق المستقبل.
فكما كان زئير الأبطال في نهار هذا اليوم على أعتاب أرض سيناء يزلزل الأرض تحت أقدام المعتدي، فما زال الأبطال مرابطين.
ختاماً
يُعد نصر أكتوبر العظيم ملحمة عسكرية سطرها الجيش المصري الباسل برجاله الشجعان، حيث تمكن من اقتحام خط بارليف، محطماً الأسطورة التي روّج لها الجيش الصهيوني عن نفسه كجيش لا يُقهر.
تم تحطيم خط بارليف، الذي أُنفق عليه مئات الملايين وبُذل فيه الجهد والفكر والوقت، وحطمه جنودنا في ست ساعات. واستطاعت مصر، بفضل الله عز وجل، أن تفعل ذلك بقوة وعزيمة وإصرار، وحسن توكل واعتماد على الله، وحنكة في التخطيط والإدارة والتنظيم، وبأيدي أبنائها الشرفاء.
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها وكل أبنائها المخلصين.







