في خطوة مهمة انتظرناها طويلًا، أصدرت نقابة الإعلاميين قرارات تصحيح جديدة تقضي بملاحقة منتحلي المهنة وغير المقيدين أو غير الحاصلين على تصاريح مزاولة المهنة الصادرة عن النقابة، وذلك بهدف تسهيل مهام العاملين بالقنوات الفضائية، ومواجهة الدخلاء على المهنة، ومنع ظهور أي شخص يعمل دون قيد أو تصريح، في محاولة من النقابة لضبط المشهد الإعلامي في مصر.
وجاء تحرك نقابة الإعلاميين بعد رصد مخالفات متكررة على الشاشات، وانتشار ظاهرة منتحلي المهنة والدخلاء على البرامج التليفزيونية، وهي ظاهرة مؤسفة موجودة منذ سنوات، وتحتاج إلى انتفاضة حقيقية من جميع المؤسسات المعنية بإدارة هذا الملف، وعلى رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، صاحب المسؤولية الأكبر في تصحيح المشهد.
ولا شك أن أي خطوة على طريق تصحيح المشهد الإعلامي تستحق الدعم والتقدير والإشادة، إلا أن هذا الملف الحيوي لا يزال بحاجة إلى مزيد من الإجراءات، منها مراجعة شروط التصاريح الإعلامية التي تمنحها النقابة لمقدمي البرامج تحديدا، وقصرها على أبناء المهنة والمتخصصين، الفئة الأجدر والأولى بالالتزام بمواثيق الشرف الإعلامي والدراية الكاملة بالقوانين المنظمة لهذا الملف، والفئة المؤهلة على توظيف المهارات المهنية في توصيل الرسالة الإعلامية للجمهور.
يتطلب الأمر أيضا إلزام إدارات القنوات الفضائية بعدم إتاحة أو بيع مساحات على الهواء إلا لمن تنطبق عليهم شروط الظهور، خاصة بعدما أصبح الظهور الإعلامي في بعض الحالات مرتبطًا بالقدرة على دفع تكلفة الهواء، وهو ما أعطى فرصة الظهور لمن لا يستحق، وتسبب في خلل واضح بالمضمون الإعلامي، بل وأتاح المجال لتجار الهواء لتوجيه الشاشات نحو التضليل وإدارة المصالح، وهي جريمة يعاقب عليها القانون.
نحتاج أيضا إلى تطبيق القانون بحسم على وقائع الخوض في الحياة الخاصة، التي تعرض على بعض الشاشات بدافع حصد “المشاهدات”، من خلال استضافة النماذج التي أفسدت الذوق العام، أو من خلال التناول غير المهني لقضايا الطلاق والزواج والخلافات الزوجية وغيرها، في مخالفة صريحة لما جاء في قانون تنظيم الصحافة والإعلام بالمادة 20، والذي نص على حظر التعرض للحياة الخاصة للمواطنين .
إن التهاون مع فوضى الإعلام والصحافة يتعارض مع توجيهات القيادة السياسية بشأن تطوير الإعلام ودعم الإعلام الوطني، باعتباره خط دفاع رئيسي في حماية الأوطان من المؤامرات والمخاطر، وتعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات والشائعات، وتوعية المواطنين بمخططات التضليل والتشويه، وتصحيح الأكاذيب والمعلومات المغلوطة، والقيام بدور وطني كبير في مساندة الدولة أثناء الأزمات والظروف الصعبة.
تصحيح المشهد الإعلامي الحقيقي يبدأ من خلال إتاحة البيانات والمعلومات لأبناء المهنة، والاستعانة بأصحاب الخبرات والكفاءات المؤهلة للعمل الإعلامي والصحفي، ومواجهة ظاهرة انتحال مهنة الصحافة والإعلام التي تفشت بشكل خطير، وأصبحت أحد المصادر الخطيرة لنشر الشائعات والمعلومات المضللة، إضافة إلى تنقية الشاشات من غير المؤهلين وتجار الهواء، وقصر منح التراخيص على المنصات الملتزمة بالضوابط والمعايير ومواثيق المهنة، وهذه البداية الحقيقية لتطوير الإعلام.







