مع انعقاد أولى جلسات مجلس النواب الجديد، وأداء اليمين الدستورية، ثم الانتقال مباشرة إلى انتخابات رئاسة المجلس، لم يكن المشهد في جوهره مجرد استحقاق إجرائي طبيعي، ولا حتى اختبارًا لميزان القوى داخل مؤسسة تشريعية معروفة النتائج سلفًا، بقدر ما كان لحظة كاشفة لطريقة تفكير النظام في السياسة ذاتها، وحدودها، ووظيفتها، ودورها المتوقع خلال السنوات القادمة.
ترشح للمنصب شخصان؛ أحدهما معين بقرار جمهوري ويمثل الأغلبية التي تشكّلت وفق قواعد معروفة، والآخر يمثل المعارضة من خلال الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وشارك في التصويت 570 نائبًا، جاءت النتيجة واضحة وصادمة في بساطتها: 521 صوتًا لمرشح الأغلبية مقابل 49 صوتًا فقط لمرشح المعارضة، وهي أرقام لا تحتاج إلى انفعال في قراءتها، لكنها تحتاج إلى قدر من التمهل لفهم ما تقوله بالفعل، لا ما يبدو أنها تقوله.
فوز مرشح الأغلبية
ففوز مرشح الأغلبية لم يكن مفاجئًا، ولا خسارة مرشح المعارضة كانت موضع رهان، لكن الفارق الكاسح بين الرقمين لا يمكن التعامل معه كأمر عابر، لأنه لا يعكس فقط اختلال ميزان القوى داخل البرلمان، بل يكشف عن تصور مُسبق لدور كل طرف، وحدود الحركة المسموح بها، والسقف الذي لا يجب تجاوزه.
المعارضة لم تُقصَ، لكنها أيضًا لم تُترك بلا قيود، بل وُضعت في مساحة دقيقة، محسوبة، تضمن وجودها الشكلي دون أن تفتح بابًا لاحتمال تحوّل هذا الوجود إلى قوة مؤثرة أو مسار تراكمي.
الرقم 49 هنا لا يُقرأ بوصفه تعبيرًا عن وزن سياسي حقيقي، ولا حتى عن حالة ضعف طارئة، بل بوصفه وزنًا مرسومًا بعناية، يحقق معادلة مزدوجة: برلمان لا يبدو بلا معارضة، ومعارضة لا تمتلك أدوات إرباك أو تعطيل أو فرض نقاش جاد، وهو ما يحوّل البرلمان من ساحة لإنتاج السياسة إلى مساحة لضبطها وتنظيم شكلها، لا محتواها.
زاوية المواطن العادي
من زاوية المواطن العادي، المشهد لا يُستقبل باعتباره منافسة، ولا حتى صراعًا سياسيًا، بل يُقرأ كتمثيل متقن لعملية يعرف نتيجتها مسبقًا، وهو ما يضيف طبقة جديدة من فقدان الثقة، ليس فقط في البرلمان، بل في فكرة المشاركة السياسية نفسها، لأن الرسالة التي تصل في النهاية ليست أن الصوت مهم، بل أن الصوت موجود، أما القرار فمحسوم في مكان آخر.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن السياسة حين تتحول إلى مشهد يُشاهَد لا عملية يُشارك فيها، لا تنتج وعيًا ولا انتماءً ولا حتى معارضة حقيقية، بل تُراكم شعورًا عامًا باللامبالاة، وهو شعور أكثر تآكلًا للمجتمع على المدى الطويل من القمع المباشر أو الغياب الكامل للمؤسسات.
البرلمان بهذه الصيغة لا يُنتج صراعًا صحيًا، ولا يفتح نقاشًا جديًا حول السياسات العامة، ولا يقدّم بدائل، بل يكتفي بإدارة المشهد ضمن حدود آمنة، وهو ما ينعكس بالضرورة على علاقة المواطن بالدولة، ويُعمّق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش، ويجعل السياسة تبدو كطقس دوري بلا أثر ملموس.
في هذا السياق، لا يمكن تحميل الـ49 نائبًا وحدهم مسؤولية النتيجة، لأن اختبارهم الحقيقي لم يكن في عدد الأصوات التي حصلوا عليها، بل في ما سيفعلونه بعد ذلك، وفي قدرتهم على تحويل الهامش الضيق المتاح إلى مساحة وعي، أو الاكتفاء بدور الشاهد المنضبط الذي يضفي شرعية شكلية على مشهد مغلق. الاختيار هنا ليس سهلًا، لأن الاشتباك الواعي مكلف، والتعايش مريح، لكن الفارق بينهما لا يُقاس بالراحة، بل بالأثر.
ما جرى في الجلسة الأولى لمجلس النواب لم يكن مجرد افتتاح دورة برلمانية جديدة، بل كان إعلانًا مبكرًا عن شكل السياسة كما تُراد في هذه المرحلة: سياسة موجودة، محسوبة، ومضبوطة بعناية، تترك الانطباع بوجود تنوع، دون أن تسمح بتحوّله إلى مسار تغيير حقيقي، وهو ما يطرح سؤالًا أبعد من الفوز والخسارة، يتعلق بما إذا كنا أمام سياسة فعلية، أم أمام تمثيل منظم لها، يؤدي وظيفته الشكلية، لكنه يفرغها من مضمونها.







