بقلم: سعد الدين يونس
في عالمٍ يُفترض أن تحكمه القوانين الدولية والمواثيق الأممية، يبرز واقعٌ مغاير تماماً، تُدار فيه العلاقات بين الدول بمنطق القوة لا العدالة، وبسياسة الإملاءات لا الشراكة.
هذا الواقع يمكن توصيفه دون مبالغة بـ«قانون الغاب الحديث»، حيث تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية المشهد بوصفها اللاعب الأكثر انتهاكاً للقانون الدولي، رغم ادعائها الدائم حماية النظام العالمي وقيامها بدور “شرطي العالم”.
فالولايات المتحدة، التي تتغنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، تمارس على أرض الواقع سياسة انتقائية صارخة: تتهم من تشاء، وتدعم من تشاء، وتعاقب من تشاء، وتحتل من تشاء، وتعتقل من تشاء، بل وتقتل من تشاء، دون رادع قانوني أو أخلاقي، إنها سياسة تقوم على منطق الهيمنة المطلقة، لا على احترام سيادة الدول أو إرادة الشعوب.
وخلال أيام قليلة فقط، شهد العالم سلسلة من الوقائع الخطيرة التي تعكس هذا النهج المتغطرس، بدءًا من محاصرة فنزويلا، والمشهد المهين المرتبط باعتقال رئيسها، مروراً باحتجاز ناقلة نفط روسية في سابقة تُعد تطورًا بالغ الخطورة في العلاقات الدولية، وترقى إلى مستوى التهديد المباشر، بل وإعلان حرب غير مباشر على روسيا، بما يحمله ذلك من تهديد صريح للأمن والاستقرار العالميين.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: لماذا تفعل الولايات المتحدة كل هذا؟ وماذا تريد من وراء هذه السياسات العدوانية؟
هل تسعى إلى تسريع انهيار النظام الدولي؟ أم تدفع العالم عمداً نحو الهاوية، عبر خلق الصراعات، وإشعال النزاعات، وتغذية بؤر التوتر في مختلف أنحاء المعمورة؟
النظر إلى المشهد العربي وحده كفيل بالإجابة؛ فقد حرصت واشنطن تاريخياً على تفتيت الدول العربية، ونجحت إلى حد بعيد في تنفيذ هذا المخطط، من العراق وسوريا، إلى اليمن والسودان، وفي الوقت ذاته، واصلت دعم إسرائيل عسكرياً وسياسياً بلا حدود، متجاهلة كل الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة، حيث الحصار والتجويع والقتل الممنهج.
وتأتي تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن غزة، والدعوات إلى تهجير الفلسطينيين من أرضهم، في سياق واضح لدعم المشروع الإسرائيلي، إلى جانب مساندة حكومة نتنياهو في تصفية واغتيال قادة المقاومة الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها، فضلًا عن الدور الأمريكي في تأجيج الصراع مع إيران، والاعتداء على سيادة دول أخرى مثل قطر، والتدخل العسكري المباشر وغير المباشر في اليمن.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية في مختلف أنحاء العالم، بما يعكس رغبة واضحة في فرض الهيمنة بالقوة المسلحة، لا عبر الدبلوماسية أو القانون.
الأخطر من ذلك، هو استحواذ الولايات المتحدة على القرار الدولي، وتفريغ منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن من صلاحياتهما، حتى وإن كانت شكلية، عبر الاستخدام المتكرر لحق النقض (الفيتو)، الذي بات رمزًا صارخًا لـ«قانون الغاب»، وأداة لحماية الحلفاء وشرعنة الجرائم.
تحذيرات روسية لرعاياها في بعض الدول
وفي مقابل هذا التصعيد، جاءت التحذيرات الروسية لرعاياها في عدد من الدول، في مؤشر على تصاعد التوتر الدولي، وسط ترقب عالمي للجريمة التالية التي قد تقدم عليها الولايات المتحدة، ويبقى السؤال مفتوحًا: هل سيكون هناك رد حقيقي من روسيا؟ وهل يقترب العالم من لحظة كسر هذا النهج الأمريكي المنفلت؟
إن ما تمارسه الولايات المتحدة اليوم لا يمثل فقط انتهاكًا للقوانين والأعراف الدولية، بل يشكل خطرًا وجوديًا على الأمن والسلم العالميين، ويهدد مختلف مناحي الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية. إنها شيطنة ممنهجة للعالم، يدفع ثمنها الضعفاء أولًا، قبل أن تمتد نيرانها إلى الجميع.
ويبقى الأمل معقوداً على صحوة دولية تعيد الاعتبار للقانون الدولي، وتضع حداً لسياسة الغطرسة، قبل أن يغرق العالم بأسره في فوضى لا تُبقي ولا تذر.







