لم تكن أزمة المرحلة الأولى من الانتخابات أزمة طارئة أو مفاجئة كما يحاول البعض تبسيطها، ولم يبدأ الخلل يوم أعلنت الهيئة الوطنية إعادة الانتخابات في تسع عشرة دائرة، لأن ما ظهر للناس الآن هو الجزء المكشوف فقط من مسار طويل بدأ قبل ذلك بوقت كبير، حين تحولت العملية الانتخابية من مسار مفتوح للمنافسة إلى مشهد مُصمَّم مسبقًا في غرف مغلقة، وعندما أصبحت الترتيبات الأولية، والتحالفات المفروضة، والانسحابات المدفوعة، وإعادة توزيع الدوائر، جزءًا من هندسة سياسية سبقت لحظة فتح باب الترشح، وثبّتت انطباعًا عامًا بأن المشهد صُنع قبل أن يبدأ، وأن النتيجة، بدرجة أو بأخرى، محسومة قبل أن تتحرك الدعاية في الشوارع.
وتحت هذا السقف المسبق، جاء يوم التصويت ليكشف – بدل أن يصنع – حقيقة العملية. ظهرت الفوضى في صور متعددة: لجان لم تُسلّم محاضر الفرز، لجان أخرى بأرقام متضاربة، مرشحون لا يعرفون أين اختفت أوراقهم، طعون مدعومة بأدلة واضحة، أموال تتحرك في دوائر كثيرة بلا رقيب ولا متابعة، إدارة مرتبكة لا تستطيع ضبط الإيقاع أو منع التضارب بين اللجان، وناخبون خرجوا ثم عادوا بلا يقين فيما إذا كان صوتهم سيُحتسب أصلًا. كل ذلك كان انعكاسًا مباشرًا للهندسة السابقة على يوم التصويت، أكثر من كونه خطأ عابرًا في إدارة يوم انتخابي مزدحم.
ثم جاء الإلغاء الواسع ليشكّل ذروة الأزمة، لأنه لم يكن مجرد إجراء قانوني أو خطوة احترازية، بل كان اعترافًا واضحًا – ولو غير معلن – بأن العملية الانتخابية في جزء كبير منها لم تُدار على نحو يسمح باعتماد نتائجها بثقة. فالدولة حين تلغي انتخابات في تسع عشرة دائرة دفعة واحدة، فهي تقر عمليًا بأن الخلل لم يكن فرديًا ولا محدودًا، بل كان واسعًا بما يكفي لإسقاط آلاف الأصوات التي أدلت بحقها، وإعادة العملية من الصفر في دوائر بأكملها. والأخطر أن هذا الإلغاء اعتمد فقط على الطعون المثبتة والموثقة، بينما تبقى مساحة كبيرة من الطعون التي لم تصل، والمخالفات التي لم ينجح أصحابها في توثيقها، والانتهاكات التي لم تُرصد أصلاً، وكلها تؤكد أن ما ظهر ليس إلا الجزء العلني من مشكلة أعمق.
وعلى هذه الأرض المهتزّة، ستبدأ المرحلة الثانية من الانتخابات. مرحلة تدخل منذ لحظتها الأولى محمّلة بإرث المرحلة الأولى: توتر لدى المرشحين، خوف من تكرار ما حدث، ارتباك لدى الأحزاب، ضغط على الهيئة الوطنية، فقدان قدر من الثقة لدى الناخبين، وحسابات معقدة لأي خطأ إداري، لأن أي خلل بسيط قد يتحول فورًا إلى طعن كبير، وأي مخالفة محدودة قد تنتهي بإلغاء جديد. المرحلة الثانية لا تبدأ من الصفر؛ بل تبدأ من تحت الصفر، من حالة عامة تشكك في قدرة العملية على إنتاج مشهد مستقر أو نتيجة مقنعة.
ومع كل ذلك، سيجد البرلمان القادم نفسه – حتى لو اكتمل دستورياً – داخلًا إلى الحياة العامة وهو مُثقل بكل الأسئلة التي لم تُجب، وكل الشكوك التي لم تُغلق، وكل السجالات التي بدأت قبل إعلان النتائج. فالمجلس، في نهاية الأمر، لا يستمد شرعيته فقط من صحة الإجراءات، بل من ثقة الناس في أن العملية تمت بقدر معقول من النزاهة والشفافية والاتزان، وهذا هو الجزء الذي تلقى ضربة قاسية لا بسبب قرار الإلغاء نفسه، بل بسبب كل ما سبقه وما قد يلحقه.
وإذا كانت الشرعية السياسية تُبنى على الإقناع وليس على الأوراق، وعلى الثقة وليس على المؤتمرات، فإن المشهد الحالي يترك هذه الشرعية معلّقة في الهواء، غير مكتملة، بين هندسة سبقت الانتخابات، وفوضى صاحبتها، وإلغاء واسع لحقها، ومرحلة ثانية ينتظرها الجميع بقلق أكبر مما ينتظرون نتائجها. وهكذا يصبح البرلمان المقبل جزءًا من أزمة لم تنتهِ بعد، ونتاجًا لمسار لم يستقر، وواجهة لمشهد لم يكتمل.
وفي النهاية، فإن استعادة الحد الأدنى من التوازن تتطلب وضوحًا أكبر في شرح ما حدث، ونشرًا كاملاً لمحاضر الفرز في الدوائر الملغاة، وتغييرًا جديًا في إدارات اللجان التي ظهرت فيها مخالفات، وتقريرًا شاملًا يضع الرأي العام أمام حقيقة ما جرى، وحوارًا مباشرًا مع الأحزاب قبل انطلاق المرحلة الثانية. لأن مواصلة المسار بنفس الطريقة لن تمنح نتيجة مختلفة، بل ستزيد مساحة الشك، وستجعل كل ما هو قادم امتدادًا منطقيًا لما هو قائم.
إننا بإيجاز أمام مشهد لم يكتمل، أمام برلمان يدخل الحياة العامة وهو يجر وراءه ظلالًا ثقيلة من مرحلة مرتبكة، وأمام شرعية معلّقة لن تستقر إلا إذا اعترفت الدولة أولًا بعمق ما جرى… وتعاملت معه باعتباره أزمة تحتاج إلى إصلاح لا إلى إدارة شكلية، فالمشكلة ليست في عدد الدوائر التي أُلغيَت، بل في المنهج الذي سبق الإلغاء ولحقه، وفي غياب الإجابة عن سؤال واحد بسيط: كيف يمكن لعملية غير مستقرة أن تنتج مجلسًا مستقرًا؟
هذا السؤال وحده يكفي ليكشف أن الأزمة لم تنتهِ… وأن ما خفي – في المرحلة الثانية وما بعدها – قد يكون أعظم مما ظهر .







