أكدت دراسة علمية نوقشت بكلية اللغات والترجمة بقسم الدراسات الإسلامية باللغة الفرنسية، أن ملف “الحرية الدينية” بات أحد أهم معايير تقييم النظم القانونية والإنسانية عالميًا، وأن المقاربات الفكرية المعاصرة تعاني خلطًا بين تصوير الإسلام كدين إكراه من جهة، أو كمنظومة تسامح مطلق بلا ضوابط من جهة أخرى.
جاء ذلك في دراسة دكتوراه للباحث مبارك حسين الإسناوي بعنوان: “الحرية الدينية بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الإقليمية والدولية: دراسة مقارنة”، والتي اعتمدت منهجًا تكامليًا يجمع بين الوصفي والتحليلي والتاريخي والمقارن، بهدف بناء رؤية معرفية متوازنة تُبرز الكرامة الإنسانية في ضوء مقاصد الشريعة، مع الحفاظ على الخصوصيات الثقافية والدينية.
الشريعة الإسلامية
وأوضحت الدراسة أن الشريعة الإسلامية تنطلق من “المركزية الإلهية” التي تجعل الحرية منحة مسؤولة مقيدة بالكليات الخمس لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بينما تنطلق المواثيق الدولية من “المركزية الإنسانية” القائمة على الفردانية المطلقة، وهو ما يخلق – بحسب الدراسة – تباينات فلسفية في تفسير مفهوم الحرية الدينية.
ورصدت الدراسة في المقابل نقاط تقاطع مهمة بين المنظومتين، أبرزها الاعتراف بكرامة الإنسان، ورفض الإكراه في الدين استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، إضافة إلى حماية المجال الداخلي للضمير الإنساني بوصفه منطقة غير خاضعة للإكراه أو المساءلة القضائية ما لم يتحول إلى سلوك علني ضار.
القضايا التطبيقية
وفي معالجتها للقضايا التطبيقية، خاصة الإلحاد والتحول الديني، قدّمت الدراسة تمييزًا مقاصديًا بين “الردة الفكرية المجردة” التي تظل في إطار القناعة الفردية وتعالج بالحوار، وبين “الردة المغلظة” المرتبطة بالفعل السياسي أو التحريضي المهدد للسلم العام، والتي اعتبرتها الدراسة في سياقها القانوني “خيانة عظمى” تتصل بتقويض النظام العام، وليس مجرد اختلاف فكري.

وأكدت الدراسة، بالاستناد إلى اجتهادات عدد من العلماء المعاصرين، أن هذا التمييز يسهم في معالجة الإشكالات الحقوقية المعاصرة، ويحفظ التوازن بين حرية الاعتقاد وصون السلم الاجتماعي.
كما أبرزت الأطروحة ما وصفته بـ“عبقرية التشريع الإسلامي تاريخيًا ودستوريًا” في ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين، مستشهدة بـصحيفة المدينة والعهدة العمرية، وتجارب تاريخية في تنظيم العلاقة مع التنوع الديني، إلى جانب استقلال المحاكم الملّية في بعض المراحل التاريخية.
التوصيات
واختتمت الدراسة بعدد من التوصيات، من أبرزها إدراج مقاربات مقارنة بين المركزيتين الإلهية والإنسانية في مناهج الدراسات الحقوقية، وتأسيس منصات للحوار بين فقهاء الشريعة وخبراء القانون الدولي، إلى جانب الدعوة لتفعيل مؤسسات الحوار الفكري والرعاية النفسية للشباب في مواجهة ظواهر الإلحاد، وتقديم المعالجة الفكرية على المقاربة الأمنية.
وقد منحت لجنة المناقشة والحكم الباحث درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى، وسط إشادة من أعضاء اللجنة بعمق الأطروحة ورصانتها العلمية، وبحضور عدد من الأساتذة والباحثين والمتخصصين في الدراسات الشرعية والقانونية المقارنة.







