جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ وقلبه مثقلٌ بالحزن والقلق، فقد أُسِرَ ابنه في إحدى الغزوات، وانقطعت به الأسباب، ولم يعد يرى أمامه إلا بابًا واحدًا من أبواب السماء. كان الموقف شديدًا على النفس؛ أبٌ مكلوم لا يملك شيئًا ليفعله، إلا أن يشتكي إلى رسول الله ﷺ ما به من ألم. وعندها وجّهه النبي ﷺ إلى أصل النجاة الحقيقي، فلم يُرشده إلى سببٍ مادي، بل إلى يقينٍ قلبي، فأمره أن يُكثِر من قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، وأن يتقي الله، ويحتسب أمره عنده، ويُحسن التوكل عليه.
مضت الأيام، فإذا بالفرج يأتي من حيث لا يُتوقع؛ عاد الابن سالمًا، بل جاء ومعه رزقٌ لم يكن في الحسبان، وكأن أبواب السماء قد فُتحت في اللحظة التي صدق فيها القلب مع الله. هنا يتجلى معنى قوله تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
فالآية لا تعد بمخرجٍ عادي، بل بمخرجٍ يأتي من حيث لا يخطر على قلب إنسان، ورزقٍ يفاجئ العبد حين يظن أن الأبواب قد أُغلقت.
وهنا يتضح أن التقوى ليست مجرد التزامٍ ظاهر، بل هي اعتماد القلب على الله، وترك الاعتماد على الأسباب وحدها، مع اليقين بأن الله إذا أراد فرجًا صنعه بلا مقدمات.
ومع هذا المعنى يأتي مفهوم الاحتساب، وهو أن يُسلّم العبد أمره لله راضيًا، مؤمنًا أن تدبير الله له خيرٌ من تدبيره لنفسه، منتظرًا الفرج دون استعجال أو اعتراض.
لكن هذا اليقين لا يكتمل إلا إذا ارتبط بمعرفةٍ أعظم، وهي معرفة قدرة الله المطلقة، التي يربط القرآن بها القلب في مواضع متعددة، ومن أعمقها ما ورد في سورة الأحقاف، حيث يجتمع مشهدان متقابلان: مشهد القوة البشرية التي طغت، ومشهد القدرة الإلهية التي لا تُقهر.
في المشهد الأول؛ كانت الأحقاف ديار قوم عاد، أصحاب القوة والبأس الشديد، الذين بعث الله إليهم نبيهم عليه السلام يدعوهم إلى التوحيد، لكنهم استكبروا وقالوا: من أشد منا قوة؟ فجاء الرد الإلهي عمليًا، لا بالجدال فقط، بل بالفعل الذي لا يُردّ.
فقال تعالى عن عذابهم:
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾
﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾
وهذا التصوير القرآني يكشف معنى عظيمًا: أن كل ما بنوه من قوةٍ وحضارةٍ وجبروت، صار كأنه لم يكن، وبقيت آثار مساكنهم فقط شاهدةً على زوالهم، في مشهدٍ يُربي القلب على أن قدرة الله في العقاب لا تُدافَع، وأنه إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.
وفي نفس السورة، مشهدٌ ثانٍ؛ يعود القرآن ليغرس في القلب أصلًا آخر من أصول القدرة، وهو قدرة الخلق والإحياء، فيقول سبحانه:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾
وهنا يربط المفسرون بين المعنيين: أن من خلق هذا الكون العظيم من غير مثال، لا يعجزه إحياء الموتى، ولا يعجزه تفريج الكربات، فالسورة تجمع بين قدرة الخلق، وقدرة الإهلاك، لتؤكد أن القدرة الإلهية شاملة لا يحدها شيء.
ومن هذا الفهم يتضح معنى قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾
فالكفاية هنا ليست مجرد حماية، بل كفاية مبنية على قدرةٍ مطلقة؛ فمن كان خالقًا ومهلكًا ومحييًا، فهو وحده الكافي لعبده.
وعندما يجتمع في قلب المؤمن اليقين بالتقوى، والاحتساب، والإيمان بقدرة الله، يتحول كل ضيق إلى باب أمل، وكل شدة إلى بداية فرج، ويصبح «حسبك الله» ليس مجرد قول، بل حياة كاملة من الطمأنينة والثقة بأن القادر لا يُعجزه شيء.







